1 ـ حول فارة المسك
فارة المسك:رواية جديدة للميلودي شغموم
عن المخلفات النفسية والاجتماعية للعنف

|
جديد الكاتب |
صدرت للميلودي شغموم رواية جديدة تحمل عنوان "فارة المسك" عن منشورات الريشة السحرية، وهي النص رقم 12 في سلسلة إصداراته الروائية التي كانت " المرأة والصبي" آخرها سنة2006.
ينطلق الحدث الرئيسي في الرواية من سنة 1965، التي يسميها المؤلف عام بوغطاط، ويتطور عبر مضاعفات ستعرفها عائلة الدكتورة سميرة القط وابن خالتها الدكتور عبد العالي، الذين فقدا أميهما، تلك السنة، في حوادث الدارالبيضاء، بسيدي عثمان، وقبلهما الأبوين، وهما طفلان صغيران.
تتعرض الرواية إذن إلى انعكاسات تلك الحوادث على مجرى حياة سميرة وعبد العالي والتأثيرات التي نتجت عنها في محيطهما العاطفي والاجتماعي وما صاحب كل ذلك من وسائل المقاومة والتدمير الذاتي من خلال تيمة مهيمنة على النص وتتردد في أشكال وصيغ مختلفة منها: متى، وكيف، نفرغ للحب والسعادة؟
ولكن هذه الحكاية ليست سوى حكاية مركزية، أو خيط رابط، لأنها تتداخل مع حكايات أخرى، تاريخية أو متخيلة، حيث يتساوى عمل الذاكرة مع التخيل والتوهم في بناء النص الروائي.
ذلك ما يعلن عنه النص منذ استهلاله إذ يحذر المؤلف القارئ قائلا في الاستهلال الأول:
مع نهاية الألفية الثانية تناقلت الصحف الوطنية، وعلى مختلف صفحاتها، الخبر التالي:
طبيبة تقتل عشيقها ثم تنتحر
وكالعادة تكاثرت التعليقات والتأويلات وتباينت خاصة منذ أن عرف أن القاتلة طبيبة أخصائية، اسمها سميرة القط، اشتهرت، وهي لا تزال طالبة في كلية الطب، بلقب "زوجة كبار الأساتذة"، وأن القتيل فنان تشكيلي مغمور، اسمه محمد الذئب، كان يعيش في باريز، على حساب النساء، قبل أن يصبح عشيقها ويعود معها إلى المغرب، ليعيشا معا، في بيتها بحي الرياض، في الرباط.
ثم عادت القضية لتحتل الصفحات، مرة أخرى، تحت عنوان لا يتصرف فيه إلا نادرا منذ أن التقطه أحد الصحافيين:
"جديد القط والذئب!"
وذلك بعد أن عثرت الشرطة على مسودة رسالة كان الذئب قد بعث بها إلى صديقة له في فرنسا:
"عزيزتي لويز
لا أرديك أن تقلقي أو تقنطي، فأنت حبي الوحيد، حبي الكبير، وأنت ملهمتي ومنارتي، عكازتي، وبوصلتي، وأنت عيني التي أرى بها، فكيف أنظر إلى سواك؟
أما حكاية الطبيبة التي وصلت إليك، بسبب الواشين والحاقدين والحساد، فهي كذب في كذب: كيف أستطيع أن أحب امرأة كهذه، امرأة تداولتها أيدي عشرات الرجال، امتصوها امتصاص أكلة اللحوم البشرية حتى لم يتركوا منها شحما، ولا عظما، و لا ملحا، ولا ماء، امرأة استنفذت كل جسدها وعرضته حتى لم يعد أحد يرغب فيه؟
هذه نظرتك إلي: هل أنا كلب زبالة؟ هل أنا ضبع يطلب الجيفة؟ حرام عليك، يا حبي العظيم، والله حرام، وحرام كل الحرام!"
وذكرت بعض الصحف أن الشرطة العلمية قد تبينت أسفل هذه الرسالة تذييلا موجزا لا يكاد يقرأ لكنه بكل تأكيد بيد الدكتورة سميرة القط:
"لقد كنت دائما على صواب: الحب أكذوبة يضحك بها علينا أو نضحك بها على أنفسنا"
والأغرب من هذا الأمر، أيها الأمير، أن لا أحد من كل هؤلاء الصحافيين، والباحثين، والمحققين انتبه إلى أن أصول هذه الواقعة تعود إلى سنة بوغطاط، أي 1965!
ولقد أكدت لي سميرة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، أنها إنما كانت تنتقم لها، ولنا، من يوم "بوغطاط" الذي شردنا، ومن أبناء أولئك الذين فتكوا بأهالينا، وهي تعاشرهم بتلك الطريقة المهينة، فتذكرت بأن لا أحد من هؤلاء الرجال عرفت حياته نهاية سعيدة: ذاكرة سميرة ملغومة ولكنها...ماذا أقول، ياأميري؟....منسية!
تسريد المجرد
في رواية فارة المسك1
بوشعيب الساوري
يؤكد كونديرا على أن الرواية معرفة إلى جانب المعارف الأخرى، والمعرفة هي ميزتها الأساسية.2 نظرا لقدرتها على استيعاب الفلسفة والشعر والمقالة والرسالة، وغيرها من المعارف، نظرا لطابعها المفتوح، ولكونها تؤمن بالتعدد وترفض الوحدة والثبات، والحقيقة الواحدة.
كما تركز الرواية، حسب كونديرا دائما، على الوجود الإنساني لا على الواقع، الوجود الذي لا يعني ما مر، ولكن هو حقل للإمكانات الإنسانية، أي كل ما يمكن للإنسان أن يكونه أو ما يقدر على فعله وتحقيقه، داخل عالم يخلو من أي سند غيبي. وهي إذ تقوم بذلك لا تتخلى عن طبيعتها وماهيتها السردية.
من هذا المنطلق يمكننا تناول رواية فارة المسك، التي ترتكز استراتيجيتها السردية على الأفكار قبل الوقائع، وعلى المجرد في علاقته بالملموس، وعلى المفهوم في ارتباطه بالمثال، انطلاقا من إشكالية فلسفية تنهض عليها وهي مشكلة الهوية أو الذات والصفات. لتقدم الرواية معرفة عن هذه الإشكالية دون أن تقطع الصلة مع السرد. لكن في إطار سرد ملتبس بالحلم والهذيان، يناقش قضايا عقلية شائكة داخل سياق غير عقلي، وبآليات تتعارض مع العقل. وهو ما سمح للرواية بتجسير الفكر بالسرد. ليتم العبور من المجرد إلى الملموس، ومن المفهوم إلى المثال، ومن الفكرة إلى السرد.
وكان السؤال هو أداتها الفعالة في خلق ذلك التجسير باعتباره هو "الفضاء الذي يقدم نفسه ناقصا غير مكتمل." 3 فهو يقوم على النقص والعوز الذي يحتاج إلى ما يكمله وما يغنيه، فيتم العبور إلى السرد ليغطي نقصه وخصائصه، فيعمل السارد وهو يجيب عن أسئلة الأمير على ملء فراغاتها بالسرد والحكاية.
تبدأ الرواية بحدث قتل طبيبة لعشيقها ثم تنتحر، مما يؤشر على أن الرواية ستنحو منحى بوليسيا، جريا وراء الجريمة والتقصي وراء ألغازها، وفك خيوطها، فتشد انتباه القارئ وتدفعه إلى الاستعداد واليقظة مع السارد لعله يتوصل إلى أسباب وملابسات ومتواليات ذلك الحدث المثير. لكن متابعة القراءة تخيب أمله، لتدخله الرواية في أسئلة وإشكالات فلسفية مجردة وشائكة، وتدخله في متاهات سردية أساسها الحلم والاستيهام، وتداخل الأزمنة والأحداث، وتجاور ما هو عقلي بما ليس كذلك. لتنقله الرواية من تتبع حكاية قد تبدو مشوقة ومتشابكة الخيوط، إلى الخوض في إشكالية فلسفية وهي الذات والصفات. لتصير الأحداث والسرود مجرد تجليات للفكرة أو المفهوم، أو توسيع لها. لكن هذه العملية لا تزيد عالم الرواية إلا غموضا والتباسا.
هناك مسعى من السارد يروم تلغيم محكيه، حتى يصل بقارئه إلى حالة من التوتر، التي تستلزم يقظة زائدة، أثناء فعل القراءة أو بعد الانتهاء منه، للربط بين المحكيات المتناثرة بعناية وقصدية، إلى حد الالتباس والتلغيز. لكن السارد بين الفينة والأخرى يعترف بغموض ما يحكيه يصرح بأنه يسرد من موقع يتراوح بين الحلم والتذكر، إذ يقر السارد بأنه لا يعرف هل يتذكر أم يحلم؟ :"وكأني، وأنا أتذكر، أحلم أو أهذي.." (ص. 12.) وهو ما يخفف من توتر القارئ. لكنه لا يزيل الالتباس، ويجعل أحداث وأفعال الرواية ممكنة وفق ما يسمح به منطق الحلم، الذي يقرب بين الأضداد والمتناقضات ويجعلها متجاورة ومتداخلة. إذ يجمع بين عدة خطابات مقتطفة من سياقات عدة، وإن كانت في الواقع متنافرة يستحيل الجمع بينها. لتجعل الرواية المستعصي ممكنا سرديا. كل ذلك بإيعاز من الحلم الذي يحرر الخيال ويطلق له العنان عبر المسخ وغيرها من الآليات الممكنة والأخرى غير الممكنة كالانتقال من زمان إلى آخر. يقول:"كانت قد بدأت تلفها، وتلفني، مئات من أسراب النمل، ثم شاهدت النمل يتحول إلى براغيث، ثم إلى يرقانات، ثم إلى فوهة بركان عاج، ثم رأيت فوهة البركان تتحول إلى حصان أدهم مجنح يطير في أعالي السماء. "(ص.27.) واستحالة الحيوان إنسانا والإنسان حيوانا. مع الوفاء والإخلاص لطبيعة الحلم ومنطقه القائم على التكثيف والتشويه والإيحاء والترميز والتقطيع، بدل التصريح والإطالة. لتضعنا الرواية أمام سرد مبني في أساسه على الحلم، جاعلا كل الخطابات التي يستوعبها تلبس لبوسه. مما يتيح للسرد معانقة الاستيهام والهذيان أحيانا، ويمنحه منطقا جديدا مطبوعا بالعالم الذي يخرج منه والطريقة التي يعرض بها. في إطار سعي الرواية إلى قلب مقصود يتمثل في جعل الحلم هو الأساس والواقع يتخلله فقط، بين الفينة والأخرى.
يتم السرد انطلاقا من مسامرة بين السارد وأمير، تجمعهما علاقة صداقة، على طريقة كتاب الإمتاع والمؤانسة ويذكرنا بأدب السلوانات، فيتم السرد بدعوة من الأمير انطلاقا من نقاش نظري حول إشكالية فلسفية، هي الماهية أو الذات والصفات، وفق منطق قوامه الانطلاق من المفهوم إلى المثال، أي تشخيص ما هو مجرد، وتحويل الفكرة إلى سرد، عبر ربطها بالزمان، بدعوة من الأمير، وربطها بالحكاية والأشخاص والأحداث، انطلاقا من حوار يلخص فكرة الرواية وهي تداخل الذات والصفات، وتداخل الأضداد؛ الثبات والتحول، الظاهر والباطن، الظلام والنور:"قلت يا مولاي: لا أريد للأمير أن ينظر إلى الفاجعة وحدها، في هذه الفاجعة، أن يرى الظلام ويعمى عن النور، فالظلام، حفظك الله، مجرد رداء للنور يلبسه هذا الأخير ليخلد إلى الراحة والسكينة أو النظر والتأمل فلماذا يلبسه قوم منا للحداد والعويل فقط لمحو النور؟ السواد أيها الأمير الأسمر، قد يرتديه النور للتحول أو التنكر! قال الأمير: آه، آه، احك إذن، صل هذا الأمر بالزمان بحيث يكون به في الحال ولا تقدم له من قبل!" (ص.11.) في ارتباط بالإشكالية المركزية، الذات والصفات: هل يمكن أن توجد الذات بمعزل عن الصفات؟ أم أنهما متداخلان؟ وما علاقة الصفات بالذات وما دورها؟ ويتم تجسيد هذه الفكرة المجردة وتشخيصها بتحويل السؤال إلى مشكلة الحب: هل نحب الذات أم الصفات؟ خصوصا وأن الحب يزول مع زوال الصفات.
فهناك مفهوم أو فكرة واحدة وبمساعدة السرد، تتجلى بطرق مختلفة، ووفق منطق الحلم، على شكل حكايات، تبدو متباعدة وملتبسة، لكنها في العمق ذات بنية واحدة، والذي يساعد على ذلك هو سياق السرد، الذي يتم انطلاقا من مسامرة بين أمير وصديقه وصفيه السارد، فيبدأ الكلام بالنقاش حول فكرة أو مفهوم بطلب من الأمير، ويتم وصله بالزمان والأحداث والشخصيات، فتصير الفكرة سردا في صورة عدة حكايات، تحاول تشخيص المجرد والمفهوم. لكنها تتأثر به فيطبعها الالتباس والغموض، فيحدث توافق بين التباس الأفكار والتباس السرد.
سمح المنطق السابق بجعل الحكايات تتماهى مع بعضها وتميل إلى الائتلاف في العمق على الرغم من الاختلاف الظاهر عليها، لتصير الحكايات مرايا عاكسة لبعضها البعض، أو حكاية واحدة تتجلى بطرق مختلفة؛ حكاية الفأرة والضفدع، حكاية أمير سجلماسة وأميرة زاكورة، حكيمة والغول، حكاية سميرة القط والذيب... لتضعنا الرواية أمام حكاية واحدة تتماهى بطرق مخلتفة، وفق منطق الرواية الذي ينطلق من المفهوم إلى المثال، ومن المجرد إلى الملموس، من البنية الأساسية للرواية إلى تعدد تجلياتها. يقول:" كأن حكاية الفأرة والضفدع، وبينهما الغراب، حكاية لا تنتهي: أربعة عصافير في منقار غراب، في عزلة السماء، لا أحد لنا إلا نحن، إلا الخيط الذي بين الفأرة والضفدع، إلا صور الأشلاء طير أو تغرق"(ص.62.) ويتقوى ذلك بفعل التأصيل الذي يرومه السرد من خلال محاولته ربطها بحادثة أصلية تعود إلى زمن النبي نوح:" يا مولاي، الفأرة، في الأصل، امرأة من أيام سيدنا نوح، وأول امرأة تنكرت، في صفات فأرة، هي الفأرة التي حاولت أن تقضم سفينة نوح..." (ص.83.) وهناك صورة مركزية تنبني عليها الرواية وهي الضد يولد ضده؛ تحول المتعفن إلى مسك:"ليست هذه الصورة أكثر، ولا أقل، من جثة استحالت نتانتها إلى شيء من المسك في الذاكرة بعد أن تعفنت!" (ص.71.) صورة واحدة توحد بين المختلف من حكايات داخل الرواية وهي فعل اختطاف الغراب لكل ما نحب اختطاف سميرة، اختطاف الأم... (ص.69.)
إذن، يتعلق الأمر بمحكي رئيس حول سميرة القط وهناك محكيات أخرى بمثابة مرايا له يستدعيها لينظر منها إلى الحكاية الأصلية من وجوه متعددة مما عاشه وسمعه أو تخيله أو رآه في الحلم.
يجعل منطق الثنائيات الضدية الرواية متشابكة ومتعالقة الأحداث والمحكيات بعضها يخرج من بعض، وفق منطق التماهي المرآوي الذي يحكم البناء السردي للرواية انسجاما مع منحاها الفكري.
إذا كان السفر عنصرا مهيمنا في روايات شغموم فإنه في رواية فارة المسك يتخذ صورة جديدة، تجعله يتم داخل عوالم سردية؛ ليصير السفر من حكاية إلى أخرى، تجسده انتقالات السارد المعلنة وغير المعلنة، التي تمد جسورا بين عوالم تبدو متباعدة أو متناقضة، لكنها في العمق تبدو متداخلة، في إطار لعبة ناظمة للرواية وهي التماهي والمرآوية التي تحكم علاقة محكيات الرواية المتشظية، كما يصير السفر انتقالا من المجرد إلى الملموس ومن المفهوم إلى المثال.
تبتعد رواية فارة المسك عن التشخيص المباشر لليومي المفارق. لكنها تجعله يتسرب بين الفينة والأخرى، بطريقة لا واعية إلى الحلم، بلغة فرويد، ولكن ليس بطريقة مشوهة، وإنما بما يتوافق ولغة الحلم وطبيعته وإطاره، لتشخيص بعض المواقف، ويخلق التوتر داخل الحلم. فيكون مطية لتمرير اليومي في شكل موقف أو ملاحظة من واقعنا. لكن ما يميز هذا المفارق هو أنه إيحائي، على شكل إشارات عامة يمكن أن تحدث في أي مجتمع تسوده الفوضى وتداس فيه القيم.
هكذا تتأسس رواية فارة المسك سرديا على تقنية تسريد المجرد بتشخيص إشكالية فلسفية في شكل محكيات متشظية وملتبسة تنهض على الحلم وتطبع بمنطقه لكنها تتماهى مرآويا، على الرغم من تباعدها.
الإحالات
1- الميلودي شغموم، فارة المسك ، منشورات الريشة السحرية، مكناس، 2008.
2- M. Kundera, L’art du roman, Ed.Gallimard, 1986, p.16.
3- موريس بلانشو، أسئلة الكتابة، ترجمة نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء،2004، ص.11.
رجوع إلى أعلى الصفحة 2 ـ بقايا
من تين الجبل
رواية جديدة للميلودي شغموم لم تنشر بعد في كتاب ورقي
حملها من هنا ب بقايا من تين الجبل PDF
أو إقرأها هاهنا
نص الرواية
استهلال
الحمد لله على المرض والحمد لله على كل العوامل
التي أدت إلى المرض!!!!
الكُوطة الصغيرة
ـ افطر!
المحمدية. دار قرب الميناء. بهو الدار حيث
تجري الحياة الجماعية لعائلة الشيظمي باستمرار على إيقاع محمد عبد الوهاب وبوشعيب
البيضاوي. أنا جالس أفطر، تستيقظ " الكُوطة" وتطل علي، من باب البيت،
وأنا لا أزال في البهو، قائلة تسبقها ابتسامة ماكرة:
ـ صباح الزين اللي يزيد فالعمر، ألعمر!
أرد في أدب، وجد غير مصطنع:
ـ صباح الخير، الكُوطة!
تتفحصني بنفس الابتسامة، وتقول، قبل أن تختفي في
المرحاض الذي هو كذلك حمام:
ـ اللي حلم وما تذكر يصبح الصباح يشوف،
ويتفكر...وقل خير وسلام!
ـ خير و دوام!
أحبت دائما أن نناديها ب"الكُوطة"
لأنها، تقول، تذكرها بجدتها "الكُوطة الكبيرة"
الشهيرة بغراماتها الكثيرة. تصغرني الكُوطة بستة أشهر فقط. إلا أنها لا تثير
اهتمامي:
ـ تبدو لي ميتة، قلت
مرة لعزيز!
وتتعمد أن تخفي مفاتنها، على عكس أمها زيزة، في
ملابس فضفاضة، مفروكة:
ـ كأنها مومياء نسيت،
قرونا عديدة، في عراء الصحراء، أضفت لعزيز!
وشعرها، الملفوف
كاملا، و باستمرار، في فولار ضخم، أبيض، مدعوك، باهت مشدود إلى الأمام، تشم منه
بقوة رائحة الزيت البلدية والعرق، فتبدو أكبر سنا وأقل جاذبية من زيزة:
ـ مع أنها،
تابعت مع عزيز لأرفع عنها تهمة القذارة، تستحم كل يوم!
هذه بنت زيزة. غير أن
زيزة تصر على حبسها في البيت وفي تلك الملابس الباهتة، المدعوكة، الواسعة، كأنها
لاتريدها أن تظهر كامرأة، أولتبقى زيزة المرأة الوحيدة في البيت، وقد لا تريدها أن
تتزوج لتظل مثل الخادمة. الجميع يعرف ذلك وقد يهمس به أو يجهر، خاصة الخالة حليمة.
والكُوطة مستسلمة لهذه اللعبة مع زيزة.
والكُوطة، في بداية الأمر، لم ترفع بصرها قط
نحوي. ربما تحلم أحلاما تقليدية، أو عائلية، بشأني. وأنا محترس. وكم رددت الخالة
حليمة في همس مجهر، لعلي أسمع:
ـ الكُوطة للمفتش لو
يرى، أيها الراقدون تحت التراب!
فترد عليها زيزة في خبث
مفضوح:
ـ يطير الطاير حتى يعلي
والرامي يجيب عمرو!
وما رأيت ولا سمعت طوال ما يقرب من السنة، كل
تلك المدة:
ـ نماذج أخرى للنساء في
رأسي، أبرر لعزيز الذي يحضني على نفس الأمر!
تدمن زيزة
على مواسم الأولياء وتمكث، عادة، في الموسم الواحد من أوله إلى آخره، لكن مواسمها
المفضلة أربعة فقط: الهادي بنعيسى، ومولاي ابراهيم، ومولاي بوعزى، ومولاي بوشعيب
الرداد. هذه المواسم الأربعة يستحيل أن تتخلى عن أحدها مهما كان الأمر.
لا أريد أن أذكر كل ما يتردد من كلام فاحش حول
أسبابها السرية للمشاركة في هذه المواسم. لكني لم أفهم هذه المرة لماذا ذهبت إلى
بويا عمر. المهم أنها ذهبت إلى هناك لتمكث أسبوعا أو أكثر، حسب قولها، أي حوالي
نصف شهر. ولقد افتقدت جسدها، خلال الليالي الأربع الأولى من غيابها، إلى درجة أنني
فقدت القدرة على النوم :
ـ يظهر أني تعودت على
أن يرخيني جسدها المكتنز، الناعم، الحار، السخي قبل النوم، وعلى كلامها الذي تبدأ
به عصر جسدي:
ـ ياك بوك، يحسب لك أنا
أمك بالصح، مص الحليب...وها لعسل...ها الشراب، ارضع...مص، بوك، كل زيزة!
ـ التعود على المحرم،
يشرح عزيز، أو يبرر، يقتل النفس!
في الليلة
الخامسة، على غياب زيزة، سبقتنا الكُوطة إلى النوم ثم تبعها الشيظمي، زوج زيزة،
بعد نصف ساعة. رمى بالكتاب، " الرحمة في الطب والحكمة"، من يديه فوق
المائدة الخفيضة وقال لي:
ـ أتركك مع حساباتك،
أنت تجمع وهم يسرقون، ترفق بنفسك، غدا الأحد، تصبح على حساب!
ابتسمت له
بصعوبة لكنه كان قد استدار جهة باب غرفة نومه:
ـ أشك في أنه لا يعرف،
الأمر الذي يعذبني أكثر!
إذا كان يجهل ما يجري على سريري وهو نائم فإن
أمري، إذا ظهر ذات يوم، لن يتعدى الفضيحة، لكنه إذا كان يعرف، ويتظاهر بالنوم، أو
ينام نوما هادئا مع ذلك، فإني لن أفلت من العار، من فيض هذا الشعور بالخزي الذي أصبح يلبسني بمجرد ما
تغادر زيزة فراشي. لماذا قبلت هذا الوضع المذل في كل الأحوال؟ أسأل زيزة:
ـ هل يعرف؟
فتضحك من عينيها:
ـ شغلك، بوك؟ خذ زيزة،
واسكت!
ثم تضمني بعنف لا
يتصور:
ـ وليدي خايف... مسكين...
بوسني، بوسني في البزولة، راس البزولة، أوليدي، بوس يلعن بوك، ألجن!
بعد أقل من
ساعة جمعت وثائقي في حقيبتي و تسللت إلى فراشي ثم أحسست بزيزة فوقي وأنا أعرف أنها
في بويا عمر. انتابتني موجة حادة من الغضب والإحساس بالذل فقفزت من الفراش وأنا
أردد:
ـ كفاك خزيا، ضع حدا
لهذا الشطط، أيها المهبول!
لكن الجسد الذي رميت من فوقي كان حقيقيا:
ـ الكُوطة!
وصرخت:
ـ ماذا تفعلين هنا؟
كانت تبكي:
ـ لا تصرخ هكذا، إنك
ترعبني، رجاء لا تصرخ!
وصدقتها فكففت عن الصراخ، وربما أكون فعلت ذلك
فقط خوفا من أن يستيقظ الشيظمي وتكتمل المهزلة:
ـ إذن اخرجي!
وخرجت تبكي.
ـ هذه مؤامرة، قلت في
سري. تغتصبني الأم ثم تتركني للبنت، ماذا أستطيع أن أقول للقاضي إذا ذهبت البنت
تشتكيني بتهمة الاغتصاب، أو فض البكارة، وجاءت الأم تشهد ضدي:
ـ سيدي القاضي، فعلها
معي قبل أن يفعلها ببنتي؟
بمن سيزوجني القاضي في
هذه الحالة، بالأم أم بالبنت؟
ـ الشنق، أو الرجم،
مصيري!
وتذكرت كل الحكايات التي لا تصدق، بهذا الصدد،
والتي راح ضحيتها العديد من شباب ذلك الوقت والحروب العائلية، أو القبلية، التي
كانت تنشب حول هذا الأمر:
ـ لم أكن بعد قد سقطت
في هذا الفخ، صححت لعزيز!
أمسكت برأسي بين يدي وأخذت أبكي، ندبت حظي،
وشتمت سذاجة، أو تواطؤ، أمي:
ـ كان من الممكن أن
أسكن وحدي، أستدين في انتظار تصفية الوضعية، وأسكن في أية خربة، ولماذا لم أسكن مع
زملائي، أولئك الذين نجحوا معي في نفس مباراة توظيف مفتشين مساعدين في المالية؟
منذ شاهدت زيزة تدخل إلى بيتنا لأول مرة أدركت
أنها من أولئك اللائي حولهن والدي إلى قصيدة ليهرب منهن، ليحرر نفسه من العذاب، أي
عذاب تسببه امرأة للورع أو الطهارة أو الغفلة أو المثالية:
ـ ليتني أستطيع أن أكتب
قصيدة واحدة مثلك تحول زيزة، أو أية امرأة أخرى، إلى وحش أليف!
وكنت جالسا جنب أمي أساعدها على عزل الصوف حين
دخلت فجأة وأخذت تنظر إلي طويلا قبل أن تسلم على أمي وتقول:
ـ زين، ولد محسون، عوضك
الله على لبنات ولولاد، و شبه بوه، سبحان الناطق الخلاق!
وجلست القرفصاء أمامي
وهي تخرج ثديها السمين:
ـ أنت من الآن ولدي، كما أنت ولد أمك، ارضع
حليبي، باسم الله عليك!
تقززت لكن أمي أمرتني
صارمة:
ـ قل باسم الله على ما
قسم الله، وارضع، الواحد مزيان تكون له أكثر من أم في هذا الوقت، أمك زيزة سخية،
وحنينة، ومن دمنا، بنت الناس، ارضع، أوليدي، واشكر الله!
لم أجد أثرا للحليب في
حلمة زيزة:
ـ ولا نقطة واحدة،
أخويا عزيز، قسما بالله العظيم!
وثديها كان صلبا ويابسا:
ـ مثل رأس الصخرة،
والله، أخويا عزيز!
وأردت أن أقول ذلك لأمي لكن زيزة اختطفتني من
مجلسي وضمتني ضما خانقا وهي تردد:
ـ كل شي بالنية، انوي
الخير توجد الخير، توجد لعسل في حليب أمك الثانية، وتشوف اللي ما يشوفو عفريت و لا
جن اكحل!
ـ قالت