في روايته العاشرة، يواصل
الميلودي شغموم استجلاء معالم وفترات من تحوّلات مغرب ما بعد الاستقلال، مُزاوجاً بين
السرد والحوارات ذات الطابع الفكري والفلسفي، بين رصد المعيش واستحضار حكايات من
التراث مشتملة على عناصر فانتاستيكية (عين الفرس، مسالك الزيتون، خميل المضاجع،
نساء آل الرندي...). ولعل رواية «المرأة والصبي» (منشورات دار الأمان – الرباط –
2006) تختلف عن الشكل المتشظي في روايات شغموم السابقة، لأنها تهتم بالحبكة
وتحُدّ من الاستطرادات والتفريعات التي قد تُضلّ القارئ.
والبنية الظاهرة في «المرأة
والصبي»، عبارة عن رحلة عبر مُدن مغربية بحثاً عن نُسخ لوحة تمثل عجوزاً
وزجاجة خمر وكأساً. يتولّى السرد، عبر واحد وعشرين فصلاً، داود حمدي الفنان المغربي
الذي تلقى رسالة من ماريز المهتمة باقتناء تلك اللوحات، إذ كتبت إليه تستنجد به
ليساعدها على جمع النسخ المختلفة لتلك اللوحة التي اختفت فجأة من على جُدران
المقاهي والفنادق والمتاجر، بعد أن كانت تملأها وتستأثر باهتمام الناظرين.
خلال التنقّل بين الدار البيضاء
ومراكش والصويرة والجديدة، يكتشف
داود، تدريجاً، شخصية ماريز التي تتصرف بتلقائية ومودّة، فتقتسم معه غُرفة الفُندق، وتتعرّى
أمامه لتستحمّ من دون أن تسمح له بغير النظر والحوار. عند هذا المستوى، تتبدى ملامح
من البنية العميقة التي نتبيّنُ عبرها التعارُض الصارخ بين ماريز وداود: هي عفْوية،
مُتصالحة مع جسدها وفكرها، لها فضول معرفي ومُنفتحة على مَنْ حولها، وهو تثقله رواسب من
ماضيه، تجعله مُرْتاباً في مَنْ يُقابلهم، مُعتبراً المرأة جسداً قبل كل شيء، واللذة لا
تستقيم إذا توفرتْ المرأة على الذكاء والعقل!
خلال الرحلة والحوار، يُطلُّ
علينا صوت «الصبي» المدسوس في أعماق داود ليُحذره من أن ماريز اليهودية المغربية
الأصل، قد تكون صهيونية أو جاسوسة لإسرائيل، وكذلك أصدقاؤها الذين تزورهم لشراء
لوحات الرسام المختفية وجمعها.
طوال الرحلة، إذاً، يتوزع السرد
على محوريْن: استكشاف مظاهر من حياة اليهود المغاربة الذين ظلوا مُتعلقين بوطنهم، ثم مشاهد
من مغرب اليوم عبر ما تلتقطه العين والأُذن، وعبر قصة «عميمي» صاحب الفندق في مدينة
الجديدة الذي أصبح غنياً بفضل «ضربة معلّم» حين غامر في صفقة بيع حشيش أنقذتْه من
بؤس مهنة رجال الدَّرَك، وجعلته الآن يتنعم بالموسيقى وأجواء التصوف بفضل انتمائه
إلى جمعية تضم الجميع، لا فرق بين مسلم أو يهودي أو مسيحي: «الكلام كما يجمع
يُفرّق، ونحن نريد أن نجمع مَنْ يفرق بينهم الكلام، بجميع معاني الكلام. طقوسنا كلها رقص
وموسيقى أغلبها من التراث المغربي بكل أنواعه... وإخواننا من كل الديانات والملل، ومنهم
«مُلحدون»، من منظور أهل «الديانات السماوية»، وعلمانيون، ليسوا ضد الدين ولا
معه. إخواننا من كل أنحاء العالم كذلك...» (ص 158).
يتابع داود حمدي رحلته مع ماريز
التي تشتري ما تعثر عليه من نسخ لوحة الفنان جان كلود بواسون (اسم لفنان
وهمي)، وعندما يصلان إلى مدينة الجديدة، يتبيّن لها أن إنكليزياً يهوى اقتناء اللوحات
اشترى نُسخاً مهمة كانت ماريز تبحث عنها، فقررت السفر إلى لندن متعقّبة خطاه،
لتسترجعها منه. وودعت داود وهي توحي له بأن «اللذة المُؤجلة» ستكون جاهزة ولذيذة
بعد عودتها، لأن عاطفة الحب نسجتْ خيوطها أثناء الرحلة والحوارات المُتبادَلَة.
من هذه الزاوية، تبدو «المرأة والصبي» أقرب إلى رواية تعلُّم، لأن
داود الفنان استكمل خلال تلك الرحلة وما دار فيها من حوارات مع ماريز، الجوانب التي كان
يفتقر إليها في تكوينه، وبخاصة ما يتعلق بمفهومه عن المرأة والجنس والفصل بين المقدس
والدّنْيوي.
أميل، في نهاية التحليل، إلى اعتبار شكل «المرأة
والصبي» أقرب ما يكون إلى الأليغوريا، ليس فقط لأنه يوظف رموزاً ويضرب أمثالاً، وإنما
لكونه يتخذ من شكل المرموزة فضاءً جدلياً يتمُّ داخله الهدم والبناء، ويتعانق فيه الماضي
وأسئلة الحاضر، على نحو ما أوضح والتر بنيامين في إعادة تحديده لكتابة
الأليغوريا... ويمكن أن نتخذ نقطةَ انطلاق لتأويل الرواية، علاقة الرقابة التي يمارسها
«الصبي» على الفنان داود وكأنه ضمير أعلى يملي عليه ما يجب أن يفعله إذا أراد أن يظل
وفياً للقيم الموروثة التي نشأ عليها. صوت الصبي في الرواية يشبه الأحكام
المُسبَقة، الموروثة، التي تؤثر الارتياب على التواصل، والجمود على التحوُّل. وأكثر ما
يتجلى ذلك في علاقة داود بماريز: إنها تتصرف بعفْوية متخطية رواسب الماضي، بينما
الصبي القابع في أعماق داود لا يفتأ يذكره بتلك الرواسب: «لا، لأنه في زمن الغليان
ذاك كنت مثل أغلب الناس وبخاصة أطفال المدارس، تعتقد في أن اليهودي، كيفما كانت
جنسيته أو أصله، صهيوني وتخلط خلطاً تاماً بين الاثنين» (ص 90). وفي معايشته
لماريز داخل الغرفة نفسها، كان الصبي لا يتوقف عن تحريضه على اغتصابها ليفوز باللذة
ويثبت تفوقه عليها، بينما كانت هي تسعى إلى إفهامه أن المرأة جسد وعقل وشعور، وأن
المتعة لا تكتمل إلاّ عندما يشعلها الحب: «... ولكن ما المانع من أن نعيش الدنيوي في
صورة قُدسية، أن نعتبر الجنس مثلاً ممارسة قدسية؟» (ص 144).
المرأة هنا (ماريز) تبدو كأنها
تضطّلع بدور مُلقِّنة المُسارَّة، تقود داود على طريق اكتشاف إنسانية
المرأة وتمازُج الجسداني بالروحاني. وهي مشدودة إلى التغيير والاستكشاف، لا
تتلكّأ عند الماضي بل تربط موضوع أُطروحتها بواقعة حديثة تتمثل في اختفاء لوحة من على
الجدران، وتريد أن تفهم دلالات تلك اللوحة وكيف يدركها الآخرون... وهذا المسلَك
الحداثي، كان يواجهه موقف الصبي المشكّك، الداعي إلى التشبث بأحكام الماضي، لكن داود
يتبيّن أن آراء الصبي الرقيب لا تصمد أمام قوة حجة المرأة وانفتاحها على الحياة،
فيأخذ في الانفصال عنه تدريجاً ليؤول إلى معانقة مفهوم الحب المتكامل الذي تقترحه
ماريز. من ثمّ، يبدو انتصار المرأة على الصبي بمثابة انتصار الولادة المخصبة على
العُقم، فكأنها تُعيده إلى رحمها لتعيد خلقه وقد تخلص من مخاوفه وأحكامه المسبقة؟
ونجد صدى لهذا التحول في الحوار الداخلي لداود:
«- ماذا يحدث لي، يريد أن يحدث
لي؟ رددتُ وأنا لا أزال في الحمام:
- أن أتعلم الصبر والتأني مع
النساء، ما تسميه ماريز الإرجاء أو التأجيل؟
تابعتُ تفكيري: أو تراني أُعيد
اكتشاف عالم أحياناً أسميه نفسي أو المغرب، وأحياناً الدنيا، عالم كنت أعرفه ولا أعرفه؟
توقّد ذهني: رحلة قصيرة
كهذه تريك ما لم تكن تعرف عن
نفسك وعن الدنيا!» (ص 168).
وفي الجانب الآخر،
المتصل بمعاينة السلوكيات
والمشاهد الخارجية وما تنطوي عليه من إشارات، نجد داود وهو يتأمل نسخ اللوحة المختفية ويحلل ردود
فعل الناس على دلالتها، يصوغ أسئلة ذات طابع شمولي تكتنز رمزية قابلة لأكثر من
تأويل: «كانت صورته (الرجل العجوز في اللوحة)، وهو في تلك الجلسة وفي تلك الهيئة،
تملأ المقاهي والحانات والملاهي. كانت في الأرصفة والأسواق فكيف يزعم البعض، ومن
دون حياء، أنه لا يعرفه؟(...) ولكن ما عذر هؤلاء الذين تأملوه ساعات بكاملها ومنهم
مَنْ كلَّمه طويلاً أو نادمه كثيراً؟ كيف يمكن لهم إذاً أن يثبتوا أنه لا يهمهم
ولا يعنيهم في شيء، أي شيء؟ ألا يمكن أن يكون اختفاؤه اختفاء، أو ظهوراً لشيء هامّ في
حياتنا؟» (ص 186). ثم يضيف بعد قليل: «أحسستُ بطيف ماريز يهمس لي: - قد يكون اختفاء العجوز
علامة على انتهاء مرحلة في هذا المجتمع! ولمَ لا يكون مُؤشراً على انتهاء جيل
بأكمله؟ سألتُها مستوضحاً: كيف يعني؟ لكني أنا الذي أجبتُ: - الذين اشتروا هذه المحلات
التي كانت توجد بها صورته، هل تعرفهم جيداً؟ والذين يتحكمون الآن في الذوق العامّ،
هل تعرفهم، فكّرتَ فيهم أعني؟» (ص 190).
على هذا النحو، يسعف الشكل
الأليغوري الكاتب على أن يزاوج بين الحكي والتدليل على مركزية بعض المفاهيم في فهم ما يعيشه
الفنان داود حمدي الذي لا ينفك يتساءل عن المقدس والدّنْيوي، عن الجنس الخالص
واللذة المؤجلة، عن النسخة والأصل.
ولأن شكل الرواية يساعد على
توفير أبعاد مُلتبسة للنص، فإن ما يتخايل في النهاية من حديث عن «الجماعة» التي تمارس
طقوساً صوفية خارج التصنيفات الطائفية أو الاعتقادية الضيقة، يبدو بمثابة أفق ممكن
لمُجاوزة ما يعرقل التواصل الحميمي بين الناس، ويُشرع أبواب العواطف مُلْغياً الحدود
المصطنعة.
وأجد أن هذا الصّوْغ
المُتراوح بين السرد
والتّفلْسُف قد أتاح للميلودي شغموم أن يحقق توازُناً بين أسئلةٍ تتصل بالذات ومُعضلاتها، وأُخرى تشمل
ما يحبَل به مغرب اليوم من تبدلات ملتبسة، وكل ذلك في أسلوب يبتعد عن المباشرة والانتقاد
الظرفي.
جريدة الحياة اللبنانية
نشر في يونيو 16, 2007
|
|
" إن علاقة العين بالعالم، هي في واقع الأمر علاقة
الروح بعالم العين " بانوفسكي
اعتقد الهرموسيون زمنا طويلا، وربما مازالوا، في وجود
معنى أصلي للعمل الفني هو غاية الفنان وروحه وقصديته الأولى التي لا قصدية بعدها. فانغمسوا في تأويلات لا
تتوقف عند
حد أملا في الوصول إلى هذا المعنى الذي غيبته صروف الدهر وتبدل الأحوال الإيديولوجية وتتابع
الإبدالات وتغيرها. لقد ظل المعطى الظاهر في تصورهم معنى أوليا لا قيمة له إلا إذا كان يقود
إلى الصورة المجردة لدلالة تندثر بعدها كل الدلالات. إن النسخة ليست تشويها للأصل، فهي
الوجه الذي يقربنا مما هو أجمل وأرقى من كل شيء ظاهر؛ إنها الممر المرئي الذي
يقودنا إلى الإمساك بالصورة الأولى، تلك التي تشكل الأصل النهائي الذي يضم داخله كل النسخ الممكنة.
إن الأمر يتعلق بفرضية أولى لها روابط وثيقة بصور نمطية تعبر عن
الرغبة المحرقة في الإمساك بأصل أول لا شيء قبله، أو بالتعرف على نهاية لا أمل في إجلاء كنهها.
فالأصل في الدين والفلسفة والاجتماع،
بل وفي حالات الوجود الفردي ذاته، هو انفعال مبهم يختفي في طقوس
اليومي ويتسرب إلى العادي والمألوف وما تعارف عليه الناس. إن طقوس الولادة والتعميد الديني
وحفلات الميلاد
وكرنفال الوداع الأخير شهادات حية على صلات البداية بالنهاية، فمعرفة أسرار الأولى قد تخفف من الوقع
الرهيب الذي توحي به الثانية.
إنها أركيولوجيا شاملة تبحث في كل الذاكرات وفي كل ما
خلف الإنسان وهو يلهث وراء لقمة العيش، أو وراء حقيقة مجردة لا يعرف عنها في غالب الأحيان أي
شيء. محاولة لا تمل ولا تكل لاستنطاق الأساطير والحكايات والدين والأعمال الفنية وكل النصوص، بل
لاستنطاق الأحجار
والكهوف والمغارات العميقة بحثا عن نقطة ضوء قد توصل الأصل بالنهاية وتكشف عن سر من أسراره.
لقد كان هناك دائما إحساس بأن الظاهر يخفي شيئا وراءه،
وأن النسخة لا وجود لها إلا في ارتباطها بأصل يبرر وجودها، وأن المتحقق جزء من
مثال لا يمكن
إدراك سره، والمعرفة ذاتها لا يمكن أن تقود إلى جوهر الأشياء، إنها سبيل إلى العرضي والزائل والمتجدد، أما
الجوهر فسر من أسرار الكون. وهذا ما جعل الناس يتغنون بالأصل في كل شيء: في العرق والأفكار والمعدن
والآلات وغيرها.
وضمن ثنائية الأصل والنسخة، ثنائية البداية الأولى
والانتشار في كل الاتجاهات تندرج رواية الميلودي شغموم الجديدة " المرأة والصبي " الصادرة
عن دار الأمان 2006. فالرغبة في
معرفة مصير صورة " العجوز والقنينة" التي كانت تزين جدران
حانات المغرب، ستقود إلى البحث في أصلها أو أصولها الممكنة، والبحث أيضا عن صاحبها وموطنه وتاريخه
وقصته، بل تبحث
في نظريات الفن وتاريخه وأعلامه وأسراره البعيدة والقريبة. لقد اختفت الصورة فجأة من على الجدران، وحلت
محلها صور أخرى تتحدث عن الخمور وأنواعها وموطنها وجودتها. إنها صور للحسي المباشر الذي يكشف عن وقع
الرحيق على النفوس في بدايات الليل وأواخره.
كان داوود حمدي، وهو فنان مغربي، أول من انتبه للأمر،
فقد راعه خلو الجدران من صورة ذلك الرجل العجوز الموزع بين ابتسامة خجلى
ومسحة من الحزن
العميق. وبدأت تساوره الشكوك، وأسر بذلك إلى بعض أصدقائه الذين قدموا للنازلة تأويلات تفسر سبب الاختفاء
باستنفاد الصورة لمهمتها، أو لظهور حاجات جديدة أفرزت صورا تناسبها. لقد اختفت قبلها صور الصحابة والنجوم
وأولياء الله الصالحين.
لكنه فوجئ ذات صباح بفتاة فرنسية جميلة تدق بيته وتقترح
عليه البحث سويا عن كل نسخ الأصل
الذي ضاع، فهي أيضا ساورتها الشكوك ذاتها. فانطلقا في رحلة سيجوبان
خلالها مدنا كثيرة.
ترددوا على الحانات، واستعانوا بالسماسرة في الأسواق وتجار اللوحات، وكل من له علاقة بهذه الصورة من قريب
أو بعيد. ليعودا من جديد إلى نقطة البداية وقد حصلا على نسخ كثيرة، وعرفا عن اللوحة أشياء أكثر ستفيد
ماريز في كتابة رسالتها الجامعية
التي تحضرها عن الفنان جان كلود بواسون الذي تنسب إليه هذه اللوحة
بنسخها. إلا أنهما
لم يعثرا على الأصل، ولم يجدا تفسيرا مقنعا لاختفاء اللوحة من الحانات المغربية أو غيرها.
استنادا إلى عوالم السر والغموض ومقتضيات النمط الحركي،
يبدأ المسار السردي سريعا متتاليا يراكم أحداثا، ويفرز مواقف إنسانية مركبة
برعت يد السارد
في تصريفها وفق ما يقتضيه بناء سردي قائم على النمط الهوليودي حيث تقود " المطاردة
" والانتقال من مكان إلى مكان شيئا فشيئا إلى التأزيم المتتالي للوضعيات ثم الإشباع
الذي لا يقود إلى " حل مريح للعقدة "، بل ينذر بالعودة من جديد إلى نقطة البداية.
إن الرغبة في الوصول إلى نقطة ما هي التي تفسر طبيعة هذا
الإيقاع السردي للأحداث. فعلى عكس روايته " خميل المضاجع" مثلا التي
تروي بإيقاع بطيء ( أسلوب التهدئة) قصة رجل مهمَل ( علي ) يقبع في غرفته ويحاصره
الظلام والوحدة من كل
الجوانب، فإن روايته هذه تسير في اتجاه آخر وتحتفي " بالسرعة
" باعتبارها مقتضى من مقتضيات الخطاطة العامة التي تتحكم فيها آليات البحث. وفكرة " البحث
" ذاتها تفترض حركة في الزمان وفي المكان، وتغييرا للمواقع والحالات. ذلك أن التوجه نحو
الأصل يفترض
التخلص دائما من فضاء معروف والتوجه نحو فضاء التغيير والتحولات. إن الرواية، من هذه الزاوية، مبنية وفق
نمط يستجيب للخطاطات السردية الشهيرة التي توزع الفعل على خانات حيث يتميز الإنسان وتُفسر أفعاله من خلال
وجود رغبة في الحصول على شيء ما
مع كل الأركسترا المصاحبة لرحلة البحث عن موضوع الرغبة هذا :
هناك المعوقات وأصحاب
العون والباعث على البحث والمستفيد منه الخ.
وتنبثق هذه الاستراتيجية النصية التي تبنى منذ البداية على
فكرة " البحث " و" إجلاء " الغموض، و" الكشف " عن السر، و" استرداد "
ما ضاع وغيبه الزمن عن سلسلة من الثنائيات هي التي ستتحكم في حركة السرد وتُحقق ممكناتها وفق مقتضيات رحلة البحث
وصروفها، بل هي التي تتحكم أيضا
في رسم حدود الشخصيات التي تتحمل عبء تشخيص كل الثنائيات المجردة
الخاصة بالأصل والنسخة
ومشتقاتهما، هي الظاهر والخفي، والسري والعلني، والمبهم والجلي والرجل والصبي.... وكل ما يمكن أن
يقود إلى تفجير المحتمل والممكن في مسارات تصويرية تحضر من خلالها الحياة باعتبارها
ممارسة ملموسة لا تصنيفا قيميا مجردا.
تبدأ القصة وتختتم فصولها من خلال ربط مثير بين بداية
مشكوك في أصالتها، وبين نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات. إن البداية ليست صفة للمطلق الذي ينتهي عنده كل
شيء، إنها
الارتكاز على نقطة هي أقرب اللحظات إلى حقيقة ضاعت إلى الأبد ولا يمكن استعادتها إلا على شكل
استيهامات تسكن الذاكرة وتغذي المخيال، ولن تكون النهاية هي الأخرى سوى تحيز لرحلة في فضاء يمتد طويلا إلى ما
لا نهاية.
تبدأ الرواية على الشكل التالي :
" في مكتب ضابط الحالة المدنية الذي ننتظره منذ
ثلاث ساعات، يعني
الصباح كله، صادفت رفيقا قديما في العمل، أستاذ مهتم بتاريخ الفن
وعلاقاته بتحول المجتمع،
فبادرته بالسؤال....
"
- قل لي يا حميد هل تعرف لماذا اختفى الرجل العجوز ؟
" الصفحة الأولى.
- ... أنا جئت فقط من أجل إضافة الشهر واليوم وفقا لمتطلبات
قوانين الإرهاب الجديدة" ص 6
وتنتهي بالعبارة التالية :
-" لم أكن قد قطعت من الشارع الطويل سوى
نصفه فقلت لنفسي:
- استمر في المشي، مازال أمامك نصف شارع بأكمله " الصفحة
الأخيرة 192.
لقد اختار السارد، وهو سارد بضمير المتكلم، وهو بذلك محدود الرؤية
والمعرفة، الانطلاق من البداية، من لحظة التعميد الإداري لكي يسقط لحظة البحث عن الصورة باعتبارها
عودة إلى أصل يُمَكِن من تملي الوجه الذي خرجت منه كل النسخ المتناثرة في جميع أنحاء العالم. وينتهي
المد الحكائي،
والسارد يواجه شارعا طويلا فقد بدايته ولم يبق منه سوى نصفه. والشارع ( دروب الحياة كما
هو مدرج في الحكمة الإنسانية) هو المسار الحياتي الذي يقود، داخل رمزية
متعارف عليها، من نقطة زمنية مستحدثة إلى أخرى من نفس الطبيعة، في الأولى حماية وحنين إلى أصل، أما
الثانية فمفجعة لأنها بلا قعر أو قرار . والأمر يتعلق في الحالة التي تعبر عنها الرواية بإحالة صريحة على
حيرة الذات الممزقة بين إكراهات
المضي قسرا إلى الأمام، واستحالة العودة إلى الوراء ( ما تشير إليه
كلمة " النصف
" ).
تحيل الملفوظات الأولى على لحظة لها وقع الزمن وحرقته.
فتاريخ الميلاد هو
بداية خاصة ضمن متصل لا بداية ولانهاية له، إنه ساعة ويوم وسنة
ومكان، نقطة تائهة على صفحة زمن لا يُرى إلا في تجاعيد الوجه واهتراء الأشياء وتفسخها. إنها
إحالة رمزية
تتضمن رغبة مبهمة لاواعية في استعادة لحظة زمنية هي الشاهد الأول على عبور عرضي داخل تسلسل زمني لا
تنتهي دوراته. فكلما تقدم المرء في العمر ازدادت رغبته في العودة إلى البداية. وهذه الرغبة هي التي تفسر هذا
التلهف على معرفة كل شيء.
وهي في النهاية أيضا إحالة رمزية على اختراق لمتصل لا
نعرف عنه سوى لحظته
الأولى، وقد لا تكون سوى لحظة مفترضة كما هو الحال في هذه الرواية،
أما ما سيأتي فمجهول
وضائع في غد لا نعرف عنه أي شيء. فإذا كانت النهاية مغيبة إلى الأبد، فبالإمكان استعادة البداية :
قد يكون ذلك على شكل " يوم وشهر وساعة " وقد يكون ذلك على شكل " أصل لصورة
" ابتلعتها نسخُها المتعددة :
" بالفعل ليس هناك لوحة انتشرت عند العموم كهذه اللوحة،
ولكن لا أحد منهم يعرف اللوحة الأصل، لقد قتلت النسخ النموذج " ص 31.
وحالة " الاختفاء " مدخل قوي إلى ذلك.
فالاختفاء ليس موتا
ولا حياة، إنه يحيل على السر والغموض والالتباس والأقاويل
والإشاعات. وهو، إلى هذا وذاك، انتشار في الزمان وفي المكان: فالمختفي في حكم الغيب، لا أحد يعرف
مصيره أو مكانه
أو وجهته، وهو بذلك موجود خارج مدار الزمن المألوف، إنه موجود في الذاكرة الجماعية كحالة إمكان قابلة
للتجسد في أية لحظة، إنه حي إلى أن يعود أو يُعلن عن مماته. وفي الاختفاء خلط بين الصورة، والموضوع
الممثل داخلها، وهو خلط يفسره التقابل بين حضور الصورة وغياب الوعي بالذات، ووعي الذات إقصاء للصورة :
" هل السر كله في أن الناس كانوا يرونه في الصورة، ولا
يرونه في أنفسهم، فلما اختفى ظلوا
يرونه في أنفسهم ولا يرونه في الصورة، كأنه اختفى ولم يختف ؟ "
ص 190.
ولهذا السبب، يشكل " الاختفاء " حالة نقص تعد،
ضمن آليات الفعل السردي، انزياحا عن سيرورة زمنية " عادية" للاحتفاء بما يمكن أن
يشكل " حدثا "، أي ما يمكن أن يصنف باعتباره وقائع جديرة بأن تروى. إن السؤال هو أصل كل شيء :
أصل البداية وأصل السيرورة، وقد
لا تأتي النهاية بأي جواب، ولا ضير في ذلك، فما هو أساسي هو الرحلة
ذاتها، أما الوصول
فلا قيمة له، إن الجواب إشباع تتهاوى بعده الرغبة وتندثر. لذلك فكل الممكنات السردية للرواية لا تشبع إلا
على شكل صور تنتشر في الذاكرة وفي الحلم وفي كل الاستيهامات التي يتم تصريفها على شكل "
مواقف" و" ردود أفعال " تُستوعب داخل معيش لا يثير الشكوك حوله :
" والحقيقة أني كنت أفكر في جسدها وحده، جسد يدعو،
صارخا، إلى اللذة، لكنه يفرض عليك أن تنتظر، أن تصبر، إذن أن تزهد، ولو لوقت
قصير، أن تصبح متصوفا
تتغنى ب " الخمرة " وتنشدها من غير أن تشربها إلا شربا روحيا، تشربها في
قدح الكلام أو
اللون: هل هذا ما تقصده وما قصده جان كلود بواسون ؟ " ص 182
فما دام مبدأ " الأصل " ليس سوى فرضية لا يمكن
أن تقود إلا إلى حقائق نسبية، قد تصبح هي ذاتها مدخلا للبحث عن أصل جديد، فإن الرغبة
الجنسية التي تنتهي إلى إشباع فعلي، لا يمكن أن تكون أصلا، إنها نهاية تمتص كل الانفعالات وتحولها إلى
فقاعات تفقد
سمكها عندما تصطدم بمخلفات اللذة. " فالنشيد " و" الشرب الروحي
" يعدان في واقع
الأمر تأجيلا مستمرا لإشباع الحاجة حفاظا على الرحلة واستمراريتها. إن غياب هذا الإشباع هو الذي يحول
الموضوع إلى رغبة منتجة لصور غامضة وغنية ومتجددة ستحل محل الموضوع الواقعي وتدرجه ضمن قوانينها، إنها صور
تسكن الذاكرة وتعشش فيها، وهذه الصور هي التي تمنح الذات إشباعا مخياليا ( فرويد)، فالإشباع المخيالي
يقود إلى التمثل
الذي يفتح الذاكرة على كل الواجهات الممكنة.
إن استحالة تحقق الرغبة أو تأجيلها أو استبعادها طوعا، هو
الذي دفع الإنسان إلى استعادة صورة المرأة وعوالمها من خلال القنينة، فارغة كانت أو ممتلئة. فالكيان
الأنثوي يحضر في الصورة من خلال
تثمين لمواطن اللذة أو الخصوبة. وليس غريبا أن يصنع الإنسان في غابر
الأزمان، عندما كان
يتلمس طريقه نحو التأنسن والتحضر، جرارا فخارية تستعيد في شكلها ومحتواها جسد المرأة المعطاء دوما.
وكما سنرى ذلك فيما سيأتي، فإن استحالة هذا الإشباع، أو تأجيله
المتواصل، سيشمل كل الثنائيات. فأي حل لمعادلة من معادلات الفعل السردي سيقود إلى إخلال بالإيقاع
السردي، ويحوله إلى مجرد تتابع حدثي محكوم بغاية مرئية تتحدد من خلال إسقاط الثنائيات المسؤولة عن
الدينامية السردية خارج الحبكة كختام
أحسن لكل النهايات الممكنة. والحال أن الرواية قائمة في نواتها
الأصل على الحفاظ على هذه الثنائيات ونموها والتحكم في إمكان انتشارها. إنها ليست رغبة في
الإلغاء، بل
إصرار على الإثبات: لن يعثرا على الأصل، ولن ينتصر الصبي على الرجل، ولن يضاجع داوود ماريز، ولن يعرف الفنان
سر اختفاء الصورة، سيكون هناك فقط احتمالات ووعد بالتحقق.
وهذا ما يفسر تلك الرغبة الجامحة في الذهاب إلى ما هو
أبعد مما تراه
العين بشكل مباشر في ثنايا الملفوظات السردية. إن الرواية