دراسات
 

دراسة الأعمال الكاملة

دراسة الأعمال الكاملة

 المغامرة والتجريب والتجديد

بقلم الناقد عبد الرحيم العلام

 تعدد النصوص وانفتاح المســــار

 بقلم الباحث محمدعفط

 

 

1 ـ المغامرة والتجريب والتجديد

حول الأعمال الروائية الكاملة

 بقلم الناقد عبد الرحيم العلام

تواصل وزارة الثقافة المغربية مشروعها الطموح لنشر الأعمال الكاملة للكتاب والأدباء المغاربة، وتحديدا على مستوى الشعر والقصة القصيرة والرواية، باعتبارها الأجناس الأدبية الأساسية التي تحقق داخلها تراكم وافر لدى الأدباء المغاربة، إلى حد الآن.

وأخيرا فقط، انضاف اسمان جديدان إلى قائمة الأدباء المغاربة الذين استفادت أعمالهم الروائية من هذه التجربة الناجحة مع «الأعمال الكاملة»، ويتعلق الأمر، هنا، بالروائيين الميلودي شغموم ومحمد عز الدين التازي، اللذين يعرفان كذلك بكتابة القصة القصيرة، وقد صدرت لهما في هذا الجنس الأدبي العديد من المجاميع القصصية. غير أن «الرواية» تبقى، إلى حد الآن، الأوفر حظا من القصة القصيرة، من حيث الاهتمام بجمع نصوصها في إطار «الأعمال الكاملة»، وإن حضرت القصة القصيرة في هذه السلسلة في تجربة سابقة مع القاص المغربي إدريس الخوري، وفي تجربة أسبق مع الأعمال القصصية الكاملة «ديوان السند باد» لأحمد بوزفور، الصادرة عن منشورات الرابطة.

صدرت الأعمال الروائية الكاملة للميلودي شغموم ومحمد عز الدين التازي في ثلاثة أجزاء تضم، بالنسبة لشغموم عشر روايات، هي: الضلع والجزيرة (روايتان) ـ الأبله والمنسية وياسمين ـ عين الفرس ـ مسالك الزيتون ـ شجر الخلاطة ـ خميل المضاجع ـ نساء آل الرندي ـ الأناقة ـ أريانة.

 الميلودي شغموم من الرعيل الأول من الكتاب المغاربة الذين طبعوا المشهد الأدبي بالمغرب بحضورهم وبكتاباتهم المجددة. تتعدد صوره ومستويات انشغالاته الثقافية والفكرية والأدبية والنقدية، بشكل يجعله كذلك واحدا من القلائل الذين عرفوا بكتاباتهم المؤثرة، وبأفكارهم الجريئة، وبدفاعهم المستميت عن البعد المغربي في الكتابة والإبداع والثقافة العربية. غير أنه من بين الصور التي يرتضيها شغموم لنفسه صورة ذلك الروائي الذي صاره، وهو ما تعكسه بالفعل الأعمال الروائية الكاملة الصادرة له أخيرا عن منشورات وزارة الثقافة(2005)، منها نصوص سبق نشرها خارج المغرب (في بيروت تحديدا)، في حين نشر معظمها بالمغرب، في إطار قناعة شخصية وتصور ذاتي للكاتب لمسألة النشر داخل المغرب.

تراكم روائي مهم، إذن، ذاك الذي عمل الميلودي شغموم على بنائه على امتداد أزيد من ثلاثة عقود من الزمن، ومن الكتابة والتفكير والإبداع، هو الذي يعرف كذلك بوفائه المنتظم في الكتابة والنشر، عدا مساهماته في مجال الترجمة وانشغاله بالبحث والدرس الجامعي والنقدي 

  وتشغل الرواية الحيز الأكبر في تفكير الميلودي شغموم الإبداعي والنقدي، فحتى أبحاثه وآراؤه الفلسفية والتأملية والجمالية تجد صداها داخل رواياته، وخصوصا ما يتعلق منها بقضايا المقدس والتصوف والذوق والجمال.   لقد بدأ الميلودي شغموم الكتابة في سياق مناخ ثقافي وأدبي مشدود إلى روح التجديد والتجريب والمغامرة وتجاوز السائد، مستندا في ذلك كله إلى وعي نظري وفلسفي وفكري وأدبي ونقدي، يتأمل عبره الكاتب مسألة الإبداع وموضوعاته الإنسانية والجمالية.

فكما تتعدد في روايات شغموم أسئلة الواقع بتعقيداته المختلفة، تتعدد فيها كذلك أسئلة الكتابة والسرد، بما يوازيها من تنوع في مرجعيات الكتابة لدي الكاتب، انطلاقا من تنوع وكثافة مخزونه الثقافي وتعدد مصادره الفكرية والفلسفية، التراثية والحديثة، الأمر الذي يجعل عوالم رواياته مفتوحة دوما على العديد من اللحظات والصور والأسئلة التكوينية والدلالية، تلك التي يتداخل فيها الخيالي بالواقعي، والممكن بالمحتمل، والغرائبي بالأسطوري و العجائبي، والصوفي بالتراثي والشعبي، والنفسي بالجمالي، بموازاة مع الدور الذي يمنحه الكاتب في رواياته على مستوى التشكيل والصور والتعبير والتكثيف والتجريد، فضلا عن الأهمية التي يضفيها الروائي كذلك على صيغ الحكي في رواياته، تلك التي تترواح بين الحكي الشعبي والحكي التراثي وتوظيف الأساليب الجديدة والحداثية، بما تخلقه جميعها من صنعة ولعب وإخصاب للغات الكتابة والسرد.

ومن شأن المتتبع لهذه التجربة الروائية، كما بلورها شغموم في أعماله الكاملة هاته، أن يلاحظ مدى التنوع الذي يميزها على مستوى الأشكال والتقنيات، كما على مستوى المضامين والدلالات، بمعنى أن شغموم، في كتاباته الروائية، كان بالأساس منشغلا بأسئلة الكتابة وبناء المتخيل وصيرورة الحكي بمثل انشغاله بأسئلة الإنسان والكينونة والوجود، بحيث تتميز رواياته، في هذا الإطار، بالعمق والتجذر في الأعماق البشرية وفي الأزمنة المؤطرة لها، منذ بدء الخليقة إلى ما بعد يومنا هذا، حيث تنفتح رواياته على الماضي، كما تستشرف المستقبل، ذاك الذي يتحدد في روايته «عين الفرس»، على سبيل المثال، في عام 2081، وكأن لجوء الكاتب في هذه الرواية إلى المستقبل هو بمثابة احتماء به من الماضي ومن الحاضر أيضا، حيث تعم الهزائم وتخيم الكوابيس والتشاؤم والأوهام، كما يظهر فيه الفرد فاقدا القدرة على التصالح حتى مع ذاته وكينونته، فبالأحرى مع واقعه والعالم الذي ينتمي إليه.

وتبرز بعض جوانب اهتمام شغموم بالمغايرة والتجريب والتجديد في رواياته، للوهلة الأولى، من عناوين نصوصه، منذ أولى رواياته إلى آخرها، بمعنى أن لعبة العناوين في نصوصه سرعان ما تلقي بنا داخل فضاء متعدد من القراءات والتآويل، أخذا بعين الاعتبار، هنا، ما تخلقه هذه العناوين كذلك من التباس وتعتيم وتوتر ورمزية وتساؤلات وإيحاءات غير مباشرة، على مستوى التلقي الأولي والبعدي لرواياته، بحيث يصبح أحيانا من الصعوبة بمكان فك التباس تلك العناوين بسهولة من دون إخضاعها لعملية إعادة إنتاج النصوص وإدراك مضانها، الأمر الذي يتطلب من القارئ الكثير من الصبر والتوسل بالمزيد من المعرفة في فهم أولوياتها والكشف عن دلالاتها وأبعادها الرمزية والجمالية، كما هو الشأن أيضا بالنسبة لعناوين بعض فصول وأقسام رواياته، وهو ما جعل العديد من القراءات والدراسات التي تناولت روايات شغموم تفرد حيزا مهما في مفتتحها لمقاربة مسألة العنوان، بمعنى أن رواياته تفرض نفسها على القارئ والدارس في كليتها، أي منذ قراءة أغلفتها الخارجية..                                                

  كذلك يعتبر الميلودي شغموم من بين أهم الروائيين المغاربة الذين أولوا اهتماما لافتا ومفكرا فيه بقوة لمسألة «تسمية الشخوص والأمكنة» منذ أولى رواياته، وخصوصا في روايته «نساء آل الرندي». ففي هذه الرواية يبلغ الافتتان باللعب بالأسماء ذروته، بشكل يجعل القارئ أمام سجل حافل بالأسماء الدالة للشخوص والأمكنة والأزمنة، وبصورة تجعل هذه الرواية، كما هو الشأن بالنسبة لغيرها من روايات الكاتب الأخرى، مفتوحة على العديد من العوالم الرمزية والمفارقات الدلالية والاختيارات الجمالية، من حيث كون موضوع الأسماء فيها يحتل مكانة أساسية على مستوى ما تعكسه من أزمة هوية وانتماء، وتناقض اجتماعي وصراع ضد الاستلاب والقهر، مع ما يرتبط بذلك كله من تحول في المصائر وزيف في العلاقات. وكما تتعدد صور الواقع في روايات شغموم تتعدد في المقابل مستويات التعبير عنه، لما يتميز به الواقع فيها من تعقيد وتعدد في صوره، ولما يطبعه كذلك من نسبية ومفارقات وتناقضات وتعقيدات، وذلك بمثل ما تتميز به موضوعات وقضايا رواياته من تعدد وتنوع، تخص أسئلة الإنسان والسلطة والهوية والانتماء والوحدانية، وتعرية المواصفات الاجتماعية، والكشف عن هشاشة الوضع الإنساني العام وزيف العلاقات فيه، وقضايا المرأة والجنس والإخفاق التاريخي للإنسان، وكلها أسئلة وهواجس ترتبط بالحاضر والمستقبل وبالراهن أيضا، في بعده الاجتماعي والثقافي والسياسي، كما هو الشأن بالنسبة لروايته «الأناقة»، وقد اتخذت من موضوع «حكومة التناوب» بالمغرب، وما يرتبط بها من قيم ومصائر ومفارقات وسخرية وأقدار، مجالا لتشييد المتخيل وصوغ أسئلة المرحلة وبناء الدلالات والمعاني، من خلال شخصية «المرأة» على وجه الخصوص، حيث يعتبر شغموم، في هذا الإطار، من بين أهم الروائيين المغاربة الذين أولوا اهتماما خاصا ومتزايدا للمرأة في رواياته، بمختلف تمثلانها الاجتماعية والثقافية والنفسية والذهنية. فروايات شغموم عموما تهتم برسم صورة معينة لشخصية المثقف فيها، على مستوى ما تكابده هذه الشخصية من معاناة وبحث عن الذات وسط مجتمع منخور، هو المجتمع المغربي تحديدا، بما يعتمل فيه من أكاذيب ووعود وزيف في الشعارات والخطابات الرسمية!.

أما على مستوى الشكل، فتتأسس روايات شغموم على خبرة كاتبها ووعيه بشروط الكتابة وتقنياتها وامتلاكه لأدواتها، عدا قدرته على ترسيخ ذوق خاص في الكتابة، له ارتباط جوهري بذاكرته ووجدانه وقراءاته وأبحاثه. فكما تتميز هذه التجربة بالتنوع على مستوى طرائق الكتابة والسرد فيها، تتميز كذلك بالمغايرة على مستوى الاشتغال على اللغة. فمن اللغة التراثية في الأعمال الروائية الأولى («الأبله والمنسية وياسمين» و«عين الفرس») إلى اللغة المفتوحة على سجلات الكلام والهجانة. ويعتبر شغموم في هذا الباب من أهم الروائيين المغاربة الذين يولون اهتماما خاصا ومتزايدا للغة العامية في رواياته، كما يدافع عنها في حواراته وأبحاثه، اعتبارا، على حد رأيه، لبلاغتها في استغراق الحميمية، وترجمة عدد من المواقف والحالات والأحاسيس التي لا تغطيها اللغة الفصحى، زيادة على أساليب السخرية وصيغ التهكم الخصبة والدالة التي تميزها.

من ثم، تبرز أهمية اللغة العامية في روايات شغموم كضرورة جمالية وضرورة إبداعية، وأيضا كضرورة للتعبير عن الذاكرة والواقع

وكما تنفتح روايات شغموم على التنظير، تنفتح كذلك على اللعب الروائي من خلال لعبة المرايا والتنسيب وتعدد الساردين والمسرود لهم، وتنويع صيغ الحكي وتلغيم السرد، والتوسل بالسخرية والضحك، مما يساهم في تعديد وجهات النظر وتنويعها في نصوصه، بما يوازي ذلك من خلق لعوالم يطبعها التناقض والتنافر والتصادم والانسجام أيضا!

 

2 ـ  تعدد النصوص وانفتاح المســــار

في الأعمال الروائية الكاملة 

بقلم الباحث محمدعفط    

 

لعله من نافلة القول التأكيد أن الأستاد الميلودي شغموم قد أصبح يمتلك حضورا متميزا  ولا فتا للنظر في المشهد الروائي المغربي سواء على مستوى كم المنجز النصي أو على مستوى الاختيارات الجمالية التي تطبع تجربته السردية

ويبدو من خلال هذه التجربة التي لم تزد مع الأيام إلا تجذرا واتساعا أن شغموم يظهر أنه في كل مرة يكتب، فإنه يخوض مغامرة الكتابة من حيث هي رحلة بحث متجدد بعيدا عن الانغلاق في نموذج بعينه .

إنه لا يعتمد الانفتاح في النصوص فحسب، بل كذلك، وأساسا في تجربة الكتابة نفسها التي تبقى مفتوحة على الاحتمال والتعدد، معا، دون أن تفقد الذات صوتها المتناهي بالصورة المتحركة غير الثابتة.

إن إصرار شغموم على كتابة الرواية يتوافق مع إيمانه ب "قدرة الرواية المستمرة على استيعاب المستجد والطارئ، وعلى ملاحقة التشكلات المتناسلة اجتماعيا ونفسيا ومعرفيا داخل عالم محموم الخطى وسريع الايقاع".

ولعل ما يبقي هذا الإصرار قويا استجابة روايات شغموم المتجددة لـ " رغبة امتلاك العالم عن طريق الحكي، وإعادة تشكيله وجعله أوسع وأكثرمما هو عليه".

ومن ثم، فإن تشكيل النصوص لا يتفصل في هذه التجربة عن الحرص على تعميق الدلالة والتقاط الأسئلة والهواجس الجوهرية للفرد والمجتمع. وهذا ما يجعلنا نلاحظ مع عبد الحميد عقار أن بعض هذه النصوص "إذ تعيد إنتاج عناصر العالم الروائي السابق عليها، فهي تضع من جانب آخر عوالم السرد من حيث هي، موضع تساؤل ونقد صارمين".

هكذا، يلاحظ أن التجربة تبرز في كل تجل أن مياها كثيرة قد مرت تحت الجسور، وأن الصوت الروائي قادر، في كل مرة ، على استجلاب أصداء متعددة ومختلفة، تبرز أن هذه النصوص تقدم شغموم وفيا لنفسه، ومتغيرا، في الآن ذاته، بما يجعل التجربة متأبية على الاختزال والتصنيف، حيث نجد نصوصه "تتغلغل، أكثر مما نستطيع نحن القراء بتجربتنا المحدودة، إلى الخفايا والبواعث المعقدة والأكاذيب  المحكمة وراء ستر السياسة والنظريات الدعية، عبر إنعام النظر، والنفاذ إلى  الدقائق النفسية اللامحدودة، والقوى  المطورة المغيرة الخافية".

وفي هذا الإطار، نجد الروائي ،هنا، لصيقا بتقديم الإنسان "بكل ما فيه من تعقيد في السلوك والتفكير والشعور والبواعث والأهداف والعلائق" .وبقدر ما نجد شخوص رواياته مفردين بقوة ومتوفرين على ملامح خاصة، بقدر ما نجدهم نموذجيين لسيرة إنسانية. فمن خلال موقفهم الحيوي ورؤيتهم للكون، يصورون الأسطورة أو يعيدون بناءها حيث تظل النصوص تعرف إغناءات ، وتحويلات،و تأويلات مختلفة عبر إلحاحها على الصبر الذي "هو أحد أسباب القراءة الصحيحة من الوجهة الفلسفية". فلا تسمح هذه النصوص إلا بأن نقرأها "دون سذاجة وبشيء من الشك كذلك". فهي تتأسس على اختيار مفاده أن "كل عمل إبداعي يمنح أسراره للقارئ باستقلال عن هذه القيود هو عمل بدون مستقبل".

من هنا، كان "الاستكشاف هو دلالة الحركة ودلالة الانطلاق" في هذه النصوص، حيث تتجلى عين شديدة الملاحظة، نفاذة الرؤية، وحيث يتجلى الروائي دائب الحركة، دائب البحث، يتوغل في الأزقة المظلمة، ويقتحم الأبواب المقفلة، يمعن النظر، ويرهف السمع. وهذا الاستكشاف لا يجري في الخارج الواقعي فحسب، بل في الداخل أيضا، في مطاوي النفس والدماغ، في متاهات الوهم التي لا يتخلص منها الإنسان.

ومن ثم، نلاحظ أن شخوص هذه النصوص مبنيون بما يجعل القارئ يرى ما يرمز إلى تعقيد الوجود والضمير، حيث التعليق والتقييم أمر ضمني منطو، متصل دائما بطبيعة الشخوص ونوع الحوادث.دلك أن الروائي المبدع هو الذي يعيد إلينا الإحساس ببعض الخواص الأصيلة في الوجود وبعض الصراع بينها بعيدا عن لغة التقرير الاجتماعي أو التاريخي. إن الروائي "يغوص في وعي الفرد معريا إياه إزاء ذاته، ليرى التوزع والتمزق اللذين بعانيهما في محاولته التأكد من حريته، وهي حرية مهددة دوما.

ويبدو أن هذه النصوص، وهي تستحضر الواقعي والمتخيل، الجماعي والفردي، الخارجي والداخلي، العقلاني والأسطوري، تبرز وجه التعدد والامتداد الذي يراد أن يختفي تحت أقنعة الزيف التي تزيد سمكها بالانتقاء والفصل.

ولعل من أهم ما تكشفه هذه النصوص أن الروائي يأخذ فنه بروح الجد، لكي يحذوالقارئ حذوه. فالرواية ،هنا، فن جدي لا تسلية عابرة، و "بقدر ما تتعقد الأوضاع وتتشعب مسالك الحقيقة، بقدر ما تصبح الرواية وسيلة للكشف عن المسكوت عنه ومجالا لتشخيص المتخيل المتحرر من القيود والرقابة ومن تحديات المفاهيم الجاهزة".

ومن ثم، لا يحضر أي شيء إلا وفق منظور يأخذ في اعتباره هوية الرواية بما هي نص متأب على الخضوع للاستسهال أو الاجترار. ويبدو أن شغموم شديد الوعي بأن الفن متعدد كالواقع، و لا يقرأ من مكان واحد لأن الرواية لا تنقل بل تكتب. ولعل هذا ما يظهر، بوضوح، في حضور التاريخ أو الأسطورة أو العلم في نصوص شغموم. إننا نجد أنفسنا أمام كتابة طقسية  لاكتابة تبليغية، والكتابة الطقسية تفهم ،هنا، من منطلق أن "الطقوس"  تتجدد بتجدد الحياة نفسها، أما الشكل الجاهز فإنه عدو للحياة لأنه أداة لسحقها واستعبادها. وما يميز النصوص في هذه التجربة الروائية أنها لا تجعل الكتابة تنحسر داخل سد شكلي، ولا تنكسر، في الآن نفسه، في اللاتشكل. وهي حين تعلن موت التعبير الجاهز، فإنها تعلن في الآن نفسه ولادة التردد المدهش أمام الزمن و في داخله وكذا في امتداداته.

إن شغموم ،حين يكتب، يدخل في مغامرة اكتشاف اللحظات التاريخية وتشكيلها، واللغة لا تكون ،هنا، تعبيرا عن الحياة الاجتماعية، فقطـ، بل تساهم في وضع حدود هذه الحياة وآفاقها ورؤيتها لنفسها. وإذا كان هذا لا ينفي التفاعل، فإنه يؤكد أنه تفاعل لا يمحي فيه النص أمام الحياة، ولا تتحول فيه الكتابة إلى مجرد انعكاس.

إن نصوص شغموم الروائية تبرز ،بوضوح، "أن التاريخ لا تصنعه – أو تحركه – الأحداث المادية الواقعية التي جرت بالفعل، فقطـ ، وإنما تصنعه ،أيضا، الخيالات والأحلام والأوهام التي تصاحب هذه الأحداث عادة أو تسبقها أو تأتي بعدها. إن الأسطورة هي إحدى محركات التاريخ وليست فقط سابقة عليه . ثم إن المتخيل حين يأخذ امتلاكا للمعلومة التاريخية الجافة فإنه يحلق بها لحسابه الخاص. وللتحليق ،هنا، عموما، بصمة انفعال غنائي.

 فالقارئ يجد نفسه مأخوذا بكامله من حقل الاعتقاد المرجعي نحو مجال أكثر اتساعا وتهوية.

وإذ يتصل الأمر بانشداد الروائي إلى التقاط علاقة المعيش بالمتذكر والمتخيل عبر دوائر متداخلة هي خميل المضاجع أو شجر الخلاطة؛ فذلك يمنح المجال واسعا أمام امتزاج الجد باللعب، والمجرب بالمحلوم به، والمفكر فيه بالمختبئ في اللاشعور.

وفي مختلف نصوص الإنجاز الروائي الشغمومي نجد أن مادة أي نص مهما اتصلت بالتاريخ والقضايا الجادة، فإنها ،عند الروائي، تأخذ سمتها الخاص، المتوتر، الموحي، المولد لعلامات وظلال تند عن لغة المفهومات وطرائق التحليل الموضوعي.

ولذلك لم يغب ،في أي إنجاز، وعي أستاذ الفلسفة بخصوصية الخطاب الروائي، حيث يبدو دالا أن هذا الإنجاز يخلو من نص أطروحة تقوم على مناص مذهبي قبلي.

فحتى حين تكون الأشياء والأشخاص والمواقف والمسارات السردية متماثلة من حيث المبدأ التكويني، فإنها تكون- على حد تعبير الأستاذ أحمد اليبوري ـ مختلفة من حيث البناء والامتداد والأشكال والألوان، وتلك من ابرز خصائص "الانشطار الشذري." فوراء الموضوع الظاهر، وتحت سطح السرد القصصي، كانت هناك مواضيع كثيرة أخرى وفئات كثيرة من المواضيع يجري طرحها لكيما تحظى بانتباهنا.

ومن ثم، لا تقدم كتابة شغموم "صورة النص الذي يقول كل شيء دفعة واحدة، يقول الأزمنة والأمكنة في رمز واضح يشير إلى الواقع فلا يقرأ إلا في مراجعه و لا يكون له معنى إلا خارجه حيث يحتفي في تكرار لا نهائي لذاته وللذي سبق وأن قيل".

إن القبض على المحكي في المكتوب يلتقي هنا مع تحويل المحكي من التداعي في الدلالات المسبقة إلى تحرير كل شيء من مسبقاته. ولذلك لا تقبل نصوص شغموم قراءة المقدمات والنتائج التي تؤكدها، بل ،على العكس، لامكان إلا للقراءة القائمة على الفرضيات المتجددة والمتغيرة. فدلالة الكتابة ،لدى شغموم، تبين أن الرواية شهادة عن الإنسان والعالم، وهي تساؤل مثلما هي محيط من الإجابات الممكنة. وإن اكتشاف مظهر جديد للوجود    الإنساني هو أخلاقيتها المقبولة. وفي البنية الدينامية لوظائف الرواية لا تكون المعرفة التي توصلها الرواية إلا من طبيعة خاصة، فهي لا تقدم لوحة تاريخية وفية لعصرما، و لا تحليلا نقديا لبنيته الاجتماعية حتى لو كانت تستطيع المشاركة في معرفة الأول أو الثانية. ومن ثم، فهي لا تحمل إسهاما نسقيا لا إلى الأسطوغرافيا و لا إلى السوسيولوجيا. الرواية،بهدا المنحى الدي تشي به مختلف نصوص شغموم، تتساءل ،بالأحرى، عن طبيعة الوجود الإنساني في عصر من العصور، وعن شكل الكينونة وعن صراعاتها داخل مجتمع معطى. والمعرفة بهذا المعنى لا توجد قبل إبداع الرواية و لاخارج شكلها المحسوس، فلا يمكن نقلها على مستوى خطابي آخر، أي في لغة الفلسفة أو السوسيولوجيا أو المقال النقدي.

يميز "ونديرا" بين مفهوم تاريخ العلم، ومفهوم تاريخ الفن ، فيرى الأول مرتبطا بطابع التقدم، أما الثاني فلا علاقة له بالتقدم، إنه لا يستدعي إتقانا، تحسينا، صعودا، ولكنه يشبه رحلة متخذة لاستكشاف أراض مجهولة وتسجيلها على خريطة. إن طموح الروائي ليس أن ينجز أفضل من سابقيه، ولكن أن يرى ما لم يروه، وأن يقول ما لم يقولوه. وأنا أظن أنه لا يزال لشغموم، حتى بعد صدور أعماله الكاملة، أن يرى ما لم يروه وأن يقول ما لم يقولوه.