السيرة

تضم:

حول السيرة

في اتجاه السيرة

سيرة النملة والصرصار 

الكتابة:الحاجة والإكراهات

سيرة العقل والوجدان

جلسة المساء

المعلمة الأولى

أصدقاء يكرمون

الرواية والسينما

 كتابة الدار البيضاء أو ساعة الدجاج

تأهيل اللغة

حول السيرة

فيم نختلف، نحن البشر، في الحياة؟ نولد بنفس الطريقة، تقريبا،  نعيش عبر حوادث سعيدة أو شقية، ثم نموت بنفس الطريقة، و لكن الثقافات لا تتركننا ندفن بنفس الطريقة ولا تجعل لنا ذكرا واحدا، بعد الموت، إلا  إذا كنا، بمعنى ما، مجانين، أي إذا استطعنا أن نحقق بعض التميز عن بعضنا البعض، بدون أدنى شعور بالتفوق أو الدونية، كأن يكون الواحد منا شاعرا أخرق، مثل المتنبي، أو متهكما بارعا على نفسه، وعلى العالم، مثل جحا، أو عاشقا خارج التاريخ والأعراف ،مثل قيس وروميو، أو مصابا بجنون العظمة، مثل نيرون وهتلر، والكثير من حكام العالم، أو يتوهم أنه يملك شيئا يقوله، أو يفعله، لا يملكه غيره، أو لا يقدر عليه غيره، على الأقل بأسلوبه أو جرأته: الكثير من الناس يجهلون أن السر كله في نوع أو كيف الحياة وأن مفتاح هذا السر قد يكون عند الأم.، أي في الإرادة، التي قد نسميها تعليمات الوالدة، أو سيناريو الحياة...الكاتب ليس نجما من نجوم الفرجة، مثلما في الرياضة، أو الغناء، أو السينما، بالرغم من أنه قد يشترك معهم في أشياء كثيرة، مثل الإرادة والمتابرة، الكاتب يرى عمله أكثر من شخصه، مثل الرسام أو النحات، وعلى عكس من يتجسد عمله عبر شخصه، مثل المغني  أو العداء، الكاتب دائما خلف عمله، يغطيه ويتجاوزه بظله، ولو أكثر من الظهور فإنه يبقى دائما ظل ذاته، كما تتحقق في إنتاجه، فيه الكثير من الزهد بالرغم من أنه خليط من أورفيوس وديونيزوس وأبولون وبروميتيوس: لا يكتمل فيه أي جانب من الألوهية ولا من الولاية أو النبوة، أي من السيرة!

لكل ذلك لا تقرأ سير الكتاب كما تقرأ سير أولئك، فإنه كما يختلق في الكتابة يختلق في السيرة، بل إن أعماله مليئة بهذه السيرة، ليس فيها شئ آخر غير هذه السيرة، وعندما يكتب نصا باسم السيرة إنما يحاول أن يحرر شيئا من ذاته من قيد السيرة، أن ينقد هويته، كإنسان، من هويته، ككاتب، وكأن لسان حاله يقول: أنظروا، هاه، أنا مثلي مثلكم، واحد منكم، فاقبلوني بينكم، ولا تتركوني دائما في أسر الكتابة!

ورغم ما في هذا السعي من مفارقة كبيرة، فإني لا أرى لماذا يمكن أن تصلح سيرة، إن لم تكن كذلك،  خارج طموحها السردي!

أكثر من ذلك: إنك قد تجد نفسك تكتب سيرتك بالصدفة، بعد مقابلة مع صحافي، أو بمناسبة حديث عن علاقة عملك بذاتك، أو مراسلة من باحث، أو مبالغة، أو تحريف، في مقال عن كتاب من كتبك...بالصدفة تضطر إلى إعادة  ترميم نفسك وإصلاح ما تكسر في عينك من صورتك، من صورك، التي قضيت عمرك في صقلها، أو في محو جوانب منها...وقد تجد فقط أنه قد تجمع لديك من هذه النصوص ما يكفي ليكون شذرات من حياتك فتعمل على ضمها إلى بعضها البعض كأنك تعيد ترتيب أوراق مسودات كتبتها في فترات متفرقة!

وهكذا شاءت الصدفة أن أبدأ سيرتي، أعني كتابة، بمقال عن أمي طلبه مني صديق آنذاك لأنه أراد أن ينشر سلسلة من المقالات، في جريدة الاتحاد الاشتراكي،عن الكتاب وأمهاتهم، وبأقلام هؤلاء الكتاب أنفسهم، فاندهشت لما كتبت واندهشت أكثر لما كتب الآخرون...وتوالت الدهشة!

لقد كنت على وعي، نظري، قبل ذلك بأننا نطبق تعليمات أمهاتنا، على طريقة آبائنا، نحن الذكور، ونصنع منها، مبكرا، في طفولتنا، تصميم حياتنا، أو السيناريو الذي سنسير عليه بقية حياتنا، ولكني لم أكن، قبل هذا المقال، قد انتبهت إلى كل هذا الدور الكبير، الطاغي، الذي لعبته أمي في توجيه حياتي ورسم مسارها، منذ الصغر إلى الآن. كنت أطلق عبارات، من حين لآخر، من نوع: يكفيها فخرا أنها هي التي انتشلتنا من السخرة ورحلت بنا إلى المدينة لتدخلنا المدرسة!

فنسيت " كناشها"، وحسها الفني الكبير، وإرادتها القوية، وولعها بالتحرر والاستقلال، الخ....

إذا كانت الكتابة، والفن عموما، من جوانب كثيرة، تمجيدا للأم، فإن الأب هو المستفيد الأول من ذلك: ألسنا نحمل، على الأقل، اسمه؟ أو لسنا نطبق تعليمات الأم، الهادئة أو الصاخبة، على طريقته هو الذي يمثل السلطة والأمن، في نفس الوقت؟ يخطئ من يظن أن تمجيد الأم قتل للأب، فإن قتله، ولو أنه مجرد استعارة، لبس لثوبه حتى يستمر فينا، تقمص لسلطته، من زاوية الأم، لكي يظل إنسانا ، لا فقط تجسيدا للسلطة وتناقضاتها الكثيرة التي يكون هو أول ضحاياها: الإبداع تأنيث للذكورة أو تذكير للأنوثة!

 

  في اتجاه السيرة:
الحلم المستحيل ولكن الضروري

لكل كاتب احلامه التي تكبر كل ما أنجز. لهذا يرى أن أجمل ما كتب هو ما سيكتب، أو آخر ما كتب، ويحلم بأن ما سيحققه أعظم ولو اعتقد النقاد أن كتابه الأول، مثلا، أفضل ما كتب! وهكذا أسمع صوتا يهمس لي باستمرار: أكثروا من التشاؤم، ففيه أكبر الأمل، أومن التفاؤل، ففيه أفضل النفي  والإرجاء، ولا تكونوا جبابرة اليقين والحقد والضغينة لكي لا تؤذوا أنفسكم، قبل غيركم، وتجنوا على نصيبكم من السكينة؛ إذا استطاع الواحد منا أن يستيقظ كل صباح بما يكفي من القوة يجب أن يكون دعاؤه المتواصل: اللهم ارزقنا بما يكفينا، ويغنينا، من الإرادة الطيبة، فقط، وليغفرلنا الأحبة أننا  لم نحقق لهم، ولا لنا، كل ما نوينا وترجينا، ولكنا على كل حال قد سعينا، وبهذا السعي ضمنا بعضا مما توخينا واستطعنا أن ننام، كل ليلة، بحافز أن لدينا، غدا، ما نفعله، لنستيقظ بأقل صعوبة! لمن هذا الصوت: لأمي، أو أبي، أو لهما معا، أم تراه لأولادي، أم فقط صدى المستقبل يحذرني من الماضي؟

سيرة النملة والصرصار

مؤكد أني ولدت يوم 12 ربيع الأول، في الركادة، بقبيلة المعاريف، فسميت الميلودي، والباقي كله ظن، وإن كانت ذاكرة شيوخ الأسرة ، خاصة النساء، تضع هذه الواقعة بين 1947 و 1950 ...يعرف الجميع أن هذا ليس سوى وجه بسيط من وجوه المسخ  التي تعرضت لها حالتنا المدنية، و من  تمة هويتنا، كأسر وأفراد، بعيد وقبيل الاستقلال...

كل حال، أنا الآن متقاعد، في إطار المغادرة الطوعية، بعد 39 سنة من العمل! 

بدأت التدريس معلما موقتا للفرنسية، بالدار البيضاء ثم المحمدية، سنة 1966 ، ثم حصلت على باكالوريا آداب عصرية، سنة 1971 وتخرجت من مركز تكوين أساتذة السلك الأول فرنسية، بالدار البيضاء، سنة 1974 ثم نلت إجازة في الفلسفة، من كلية آداب الرباط، سنة ،1975 ودبلوم الدراسات العليا، من نفس الكلية، سنة 1982 فالتحقت بكلية الآداب بمكناس كمدرس، أي أستاذ مساعد، بالرغم من أن هذه الصفة، أو الدرجة، لا معنى لها، في الواقع، وفيها هيأت دكتوراه الدولة سنة 1990  ومنها خرجت متقاعدا، طوعيا، سنة 2005 ، بوضعية أستاذ التعليم العالي، أكاد أقول سعيدا، رغم بعض الأسى والشجن بسبب تغير الأحوال !

بين كل هذا وذاك تزوجت، 1966 ، ورزقت ببنتين، 1969 و1971 ، وولدين   توأمين، 1973، فكبروا، بالطبع ، وتفرقوا في أنحاء الدنيا كما هو الشأن دائما بالنسبة للخلفة  التي تكون طبيعية، وأنا، بالطبع، سعيد كذلك لأني أصبحت جدا، أي صار لي، كما يقال، من أحبهم، أكثر من الأولاد أنفسهم: أحفاد !

والآن سأحدثكم عن أهم شيء أنجزته في حياتي،  بعد الشهادات، والأولاد، والعمل، و الحفدة: كتاباتي!

لا يظنن أحد، بعد هذا، أني مجرد زاهد تفرغ للعمل، أو وحش شغل، قد أكون الآن في بداية هذا الطريق، ولكن ...

لا، لا، لقد عشت، والله ما تركت فرصة حقيقية تمر بدون أن أستغلها، ولو تعلق الأمر فقط بفيلم أو قصيدة أو أغنية: إني من أنصار استغلال كل الإمكانات التي تمنحها الدنيا؛ الفائدة والمتعة في كل شيء، حتى في العمل، أي عمل ليس فيه فائدة، أو إفادة، ومتعة يؤدي إلى الشقاء، ولا أحب خرافة النملة.... والصرصار، إلا في حالة الجمع بين السلوكين: كلاهما وجه ثان للآخر إلا لمن عمي بصره وبصيرته في نفس الآن ! 

الكتابة:الحاجة والإكراهات 

لا أكتب كل يوم لأني لست محترفا للكتابة ولأن الكاتب، في مثل بلدي، إذا كان يكتب بلغة غير إحدى اللغات العالمية، لا يمكنه أن يعيش، ولا أن يعيل، بالتفرغ للكتابة وحدها ...هناك آلام ومسرات أخرى في الدنيا!

لكني حين يتقوى لدي الاستعداد، أو الحاجة، للكتابة أجد دائما الوسائل للتفرغ لها تفرغا شبه تام ولا أتركها إلا عندما يكون العمل قد اتخذ صيغة تقنعني بأني أستطيع أن أعود إليه مرة أخرى:  كما لا ينبغي أن يبرد الشغل في اليد، لا ينبغي أن يتسرع في نشره، اللهم إذا كان المرء على يقين تام بأنه، في كل مرة، يخرج الذهب الصافي مباشرة وفورا !

لهذا أكتب العمل الواحد أكثر من مرة. ولهذا، ربما، يلعب ذا ك الوضع دورا في وثيرة النشر، فأنا لا أنشر كل ما أكتب، وإن كنت أحافظ  على بعض الإيقاع لهذه الوثيرة، إني أعتقد أن الكاتب في الدول النامية لا ينبغي أن ينشر بسرعة تفوق معدل النمو  الاقتصادي لبلده ، إلا في حالة واحدة: عندما يكون وزيرا أولا  أو وزير للمالية!

لقد بدأت  النشر، على حسابي، سنة 1972 بمجموعة قصصية متواضعة، لكني بفضلها دخلت إلى اتحاد كتاب المغرب، عنوانها أشياء تتحرك ثم نشرت بعض القصص على صفحات الجرائد والمجلات المغربية قبل أن تصدر لي روايتان، الضلع والجزيرة 1980 ، ببيروت، في كتاب واحد وتتبعهما رواية ثالثة، الأبله والمنسية وياسمين، عن دار أخرى ببيروت، قابلها النقاد باحتفاء كبير، وكانت كلها قد كتبت قبل  1980 

 ثم جاءت ترجمتي لكتاب هنري بونكري، قيمة العلم 1982 ، وكتابي عن الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، عن دار التنوير ببيروت كذلك، وكانت قد صدرت لي قبل هذا الأخير مجموعة قصصية، سفر الطاعة، عن اتحاد كتاب العرب بدمشق. وتوالت الروايات، مرورا بعين الفرس المقررة في برامج الثانوي، ومسالك الزيتون، وشجر الخلاطة، وخميل المضاجع، ونساء آل الرندي، التي نالت جائزة الدولة للكتاب وحولت إلى فيلم تلفزي من ثلاث حلقات، والأناقة، وانتهاء بأريانة  ثم المرأة والصبي،  وأخيرا فارة المسك، الصادرة في شهر أبريل 2008، عن دار الريشة السحرية

وقد جمعت الروايات، غير أريانة و المرأة والصبي  وفارة المسك، من طرف وزارة الثقافة المغربية في ثلاثة مجلدات تحت عنوان الأعمال الروائية الكاملة كما ترجمت بعض هذه  الروايات، جزءا أ وكلا، إضافة إلى بعض القصص إلى الفرنسية والإسبانية والألمانية..    لقد سمحت لي هذه الأعمال بأن أدعى إلى الكثير من الملتقيات وأن أسافر إلى بلدان كثيرة ما كنت لأزورها لولاها، خاصة في الأوقات الصعبة ماديا: بهجة اللقاء والحديث مع كبار الكتاب واكتشاف مدن، وأماكن، جديدة قرأت عنها في الروايات فقط؛  واحدة من أكبر الجوائز التي تمنحها الكتابة لكاتب غير محترف... مازال في نفسي فقط شيء من السينما والمسرح، إذا طال العمر وشاءت الصدف أن تتماشى مع الإرادة أو الرغبة     !   

 سيرة العقل والوجدان

1 ـ الأعمال المنشورة في كتب

 

 

السرد:

 

 

 

- أشياء تتحرك، قصص، مطبعة طنان، البيضاء، 1972.

 

- الضلع والجزيرة، روايتان، دار الحقائق، بيروت،1980

 

-  سفر الطاعة، قصص، اتحاد كتاب العرب، دمشق، 1981 

 

- الأبله والمنسية وياسمين، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1982.   

 

- عين الفرس، رواية، دار الأمان، الرباط، 1988

 

-  مسالك الزيتون، رواية، منشورات السفير، مكناس،1990

 

- شجر الخلاطة، رواية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1995.

 

- خميل المضاجع، رواية، مطبعة فضالة، المحمدية،1995

 

- نساء آل الرندي، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2000

 

- الأناقـة، دار الثقافة، البيضاء، 2001

 

ـ أريانة، رواية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء

 

ـ المرأة والصبي، رواية، دار الأمان، الرباط ، 2006

 

ـ فارة المسك، الريشة السحرية، مكناس، 2008

 

 

 

الدراسات:

 

 

- الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، دار التنوير، بيروت، 1984

 

- المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي، منشورات المجلس البلدي، مكناس، 1991.

 

ـ تمجيد الذوق والوجدان، دار الثقافة، الدارالبيضاء

 

- المعاصرة والمواطنة، مدخل إلى الوجدان، منشورات الزمن، الرباط، 2000

 

الترجمة:

 

 قيمة العلم ، هنري بوانكاري، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1982

 

  وبعض القصص والمقالات                     المتفرقة 

 

جلسة المساء

        

كان الربع الأول من المصحف أصفر ، مفروكا، أي مكمش، لاترى بعض حروفه وكلماته، بعضها نهائيا وبعضها بالكاد، لكنه كان أثمن شيء في الكون قبيل صلاة المغرب، فكنا نجلس معا، أنا و والدي، ممسكين بالكتاب، كل واحد من طرف، على حائط من حجر، أنا أقرأ وهو يصحح، هو بجد وطيبوبة، وأنا بخبث ودهاء الأطفال؛ وكم تعمدت نسيان كلمة أو حرف، وكم أخطأت عن قصد في السور أو الآيات، فقط لأطيل هذه الجلسة الروحية، لأكون بصحبة والدي، فهذه هي الفرصة الوحيدة التي كنت أجالسه خلالها وأستمتع بهدوئه وتواطئه ضد أمي، وربما ضد بقية العالم إذ كنت أتمنى دائما أن يـأتينا زائر في هذه اللحظة بالذات ليرى هذا المشهد العظيم وينقله إلى الآخرين : ابن السوسي، وفي قلب الشاوية، مطمورة المغرب الغاوية، هو الوحيد الذي يمكنه أن يتعلم القرآن على يد والده، وكأني لم أكن أذهب آنذاك إلى الكتاب إلا للتفاخر بهذا الأمر إذ كنت دائما أول من يؤذن له بمحو لوحته؛ فلا يحتقرننا جاهل أو عامي من هؤلاء الفلاحين والتجار وأرستقراطية قبيلة المعاريف المزهوين  بخيرات أرضهم وبأن واحدا من أهم أحياء الدارالبيضاء يحمل اسمهم !   

حين أفكر في مجرى حياتي المتواضعة، أجد أن  الكتب، مع كمشة صغيرة من الناس لها علاقة ما بالكتب والكتابة، وعلى رأسهم كناش الوالدة ومصحف أبي، هي التي صنعتني !

لذلك قلت أكثر من مرة: لو كان الكتاب ربا لعبدته وأطلت في شكره!

وأنا الآن لم أعد أقرأ كما كنت، من ناحية الكم والرغبة، ربما كما تفتر طاقات وأنشطة أخرى، مع التقدم في السن والانشغالات، ولم أعد أجد نفس المتعة في كل الكتب، كما لا يجد راشد طعم حليب أمه في أنواع الحليب التي يستهلكها، وإنما صرت أقرأ لمهنة التدريس والكتابة، لكن أغلب قراءاتي مراجعات، كتب قرأتها في فترة معينة، وظروف خاصة، إنما أجد فيها اليوم ما لم أجده فيها بالأمس، وكأني أراجع حياتي وأعيد تركيبها من جديد، على ضوئها، كأن الكتب العظيمة تتجدد تلقائيا مع الوقت أو لا تعطيك إلا ما تستحق في كل وقت، مثلما لا يسبق الرشد الطفولة!

         لنحلل، كل شئ وكل شخص، بكل التشاؤم ولكن لنتطلع بكل التفاؤل: الغد ملئ بالمفاجآت أكثرها سارة، محفز، أو يواسي الماضي، معز، فلنرمم أونستوهم أو نتفاءل: كل تذكر ترميم أو محاولة تصالح، أي إعادة بناء، لاستعادة الرجاء والتقليل من الألم، وحذار من عمى الألوان والنفس الأمارة بالسوء، ضد نفسها، والتي لا تجد غير الضباب والذخان من حولها: تأمل كيف يفيض الأطفال حيوية، حياة، فهم مبرمجون ليعيشوا وينموا، لكنهم، وهم يكبرون، يبددون هذه الطاقة أو يلوثونها!     

المستقبل دائما أمامنا بالرغم من أننا ننسى هذه البديهية بسبب الذين أصبح المستقبل وراءهم، وما أكثرهم، وبسبب ثقل الماضي والحاضر! كل من يعطينا ذرة أمل، أوبذرة طاقة، يستحق منا ألف شكر: شكرا، شكرا مدى العمر، لكل الكتاب والفنانين والمفكرين، لكل من مازال يعمل أو فقط يحلم،أو ينجب: عين فرس أبلغ تعبيرا، من كل الكلمات، وهي تتجسس على كناش أمي ومصحف والدي، وأنا معه أو معها في جلسة المساء تلك 

المعلمة الأولى

 

                         

تقديم محمد بهجاجي( جريدة الاتحاد الاشتراكي):

 شهادة اليوم جعلتني أكتشف  "الميلودي شغموم" آخر،  لغة وكتابة..  لم تفاجئني جرأته في الحديث  عن تفاصيل  ذاكرته الخاصة بحب صاف وباعتزاز.. لأن الجرأة خصلة عودنا  عليها  الكاتب  والروائي  المغربي  الميلودي شغموم  في كتاباته

 هو واحد من مواليد 1947 بمدينة ابن احمد، يعمل حاليا  أستاذا بكلية  لآداب  بمكناس، له "الضلع.. والجزيرة "(روايتان) " الأبله  والمنسية  والياسمين "، "مسالك الزيتون"، "عين الفرس" و"شجر الخلاطة"، آخر أعماله الروائية حتى تحرير هذه السطور …هنا نقرأ  تفاصيل  عن العلاقة  بالأم وبالأرض وعن "ظلم  ذوي القربى الأشد مضادة من وقع  الحسام  المهند"..

شهادة الميلودي شغموم:

 من يستطيع  أن يكتب ، حقا، عن أمه!؟من كتب، حقا، عن أمه!؟

هذا السؤال – التحدي لا يعني ، إطلاقا ، أننا لا يمكن  أن نكتب  أي شئ عن أمهاتنا ، وإنما يتعلق  بما لا نستطيع أن نكتبه ، بما ليس بدهيا أو معطى ، إذن بالأمر  الأكثر  أهمية  بالنسبة للكاتب ،كيف تجعلنا  أمهاتنا كتابا  أو كاتبات ، كتابا  من نوع  معين، وفي مجال محدد  من مجالات  الكتابة ، ثم كيف نقول  هذا كله ، إذا استطعنا، بدون أن نسقط في الأحكام الجاهزة  والتكرار وسيطرة التقاليد  وعمى العواطف  والمجاملات والنفاق ؟

وإذا صح أننا –أطفالا ورجالا –نظل نطبق "تعليمات " أمهاتنا ، على طريقة آبائنا، إذا كنا ذكورا ، فكيف نميز بين دور الأم وتأثير الأب بين الشكل  والمحتوى في هذا التطبيق ؟

إن الكتابة ، في الظاهر على الأقل، وكما هو سائد في بعض  الأوساط  ذات النزعة الأمومية، انتصار " للأم" على "الأب "، فنحن، على ما يبدو، نكتب  ضد الأب " ذلك الرمز العظيم "للسلطة وتجلياتها العديدة"، للانتقام "للأم"، ذلك الرمز  الضعيف ، في الظاهر ، " المقاومة السليمة"، من أجل إسماع هذا الصوت وتقديمه للعالم..فما تكون عليه الحال  حين نصيح بدورنا رمزا "للأب "، لهذه "السلطة" بالذات؟وإذا ثبت، كما يزعم آخرون، أن الكتابة استعادة لصوت "الطفل "، ومن ثمة  استعادة لحضن  الأم، لوضع "جنيني " مليء بالتساؤلات التي لم تلق  جوابا والرغبات التي خنقها الكبت  والمنع ، من غير أن يقتلاها تماما، فما الذي يحصل "للطفل"الذي "يكبر" فجأة ، ويكف عن معرفة ما إذا كان يكره أمه ،حقيقة، أم يحبها ، حين يشعر مرة أنه يكره ومرة أنه يحب؟..

إن الأم، بيولوجيا، على الأقل، هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن أن يشك فيها إلا أطفال الأنابيب والقادمون إلى هذا العالم من أرحام مستعارة، الشيء الوحيد  الذي لا يمكن أن يعوض في حياتنا، بينما "الأب" يمكن أن يعوض بأي رمز آخر "للأب" لأنه مجرد رمز، رمز مهم ، بكل تأكيد، لكن قابل  للتعويض باستمرار ، بل إنه في بعض الثقافات يظهر  أنه  لا يكاد  يلعب  دورا يذكر...غير أننا، عندما نعشق امرأة أخرى أو نتزوج، ولو اخترنا هذه المرأة على صورة الأم، هل تظل الأم هي الأم، آلا يتسرب إلى صورتها أي تبديل أو تغيير؟.. أجل، عندما نذهب لنعيش مع امرأة أخرى أو نبدأ  التفكير  أو الحلم بها، ألا تضطر الأم، من طرف  الزوجة  أو العشيقة ، إلى التنازل  عن بعض ، على الأقل، من " حضورها الطاغي"، آلا  نعيش  فطاما  آخر قد يكون أعنف ، وهل هذا  الفطام شبيه أو مختلف  عن الأثر  المؤلم الذي  نحس  به ونحن نتخلى  عن امرأة

لنذهب مع أخرى، ما درجة الحداد  وما درجة البهجة في هذه "القطيعة"؟...

والأم  التي نظل "أطفالنا" بالرغم منا، طيلة حياتنا، هل تبقى هي هي عندما يصبح لنا أطفال  بدورنا، ولم تحتل " الجدة" كل تلك المكانة في عمرنا، هل لأنها  تأخذ مكان الأم لأنها في حاجة  إلى الأطفال  باستمرار ، أي إلى  أن تظل  أما فقط؟ ولم تفضل أمهاتنا ، في فترة من حياتهن، الاعتكاف  في بيوتهن ، هل لأننا انتهينا إلى إقصائهن ، هل لأنهن يئسن  من استرجاعنا أم لأن عاداتهن وصويحباتهن  أحب  إليهن  منا، في نهاية  الأمر ، أم يفعلن ذلك لينتظرننا في "البيت" خوفا من أن نعود إليه فلا نجدهن ؟..

لكم تبعدنا هذه الأسئلة ومثيلاتها عن أمهاتنا وتقربهن منا في نفس الآن؛ الأمهات لقالق أحيانا ، متنوعات  الهجرات  والإياب، أنهار إفريقية ، أحيانا  أخرى ، كثيرات  الجفاف والفيضان ، ضوء، أحيانا  عديدة ، طاغ في النهار ، باهر في الليل ، يسكن أحلك الظلمات ، أي صورة مثالية للإبداع، بشكل عام، والكتابة بشكل خاص...وهناك، في لا وعي كل ثقافة، نظام أمومي، ليلي، قمري، مائي، ملتبس، أو مختلط، دموي يجمع بين المهد واللحد، في مقابل النظام النهاري الذي يمثله الأب، النظام البارز، النظام الواضح!

فهل نكتب فقط لنظل في هذه الصورة ، في هذه الأرجوحة ، بين الرحم  والمهد والحضن، بين الضحكة  والعويل، بين الخوف  والطمأنينة، بين الوضوح والغموض، بين الرمز والاستعارة : هل تكون الكتابة نوستالجية، حنينا، إلى هذه الأرجوحة أم تجميلا  أو تشويها لها بقصد العودة  إلى النعيم  أو معانقة الجحيم ؟

الآن أدرك أنني  لم أكتب  إلا من أجل أمي وبسببها ولولاها  لما خططت حرفا  واحدا .. لا، ليس معنى ذلك أنني لم أكتب  "ضد" أمي، في أي يوم من الأيام ، ولا أنه  لم تندس فيها أية امرأة أخرى  ولا أنني  لم أفشل أو أسقط أو أخرج لها لساني : "هيا اقطعيه، تعبت!".. فلترتح، يا والدي، إنك حاضر، دائما بيني وبينها، أوبيني وبينك فقط!

إنني أفكر في الاستقلال التام عن "الأم"، عن مشروع الأم لابنها، عن حلمها بان ينتقم لها "الابن" من الزمان ، بأن يقوم بإصلاح غلطة وقعت في وقت  ما من  وقت  التاريخ، بأن يتحالفا لرفع رأسيهما معا ، فإن كل  التغييرات ، على هذا المستوى ، سطحية أو عابرة ، ولا يطال  التحول المشروع  أو الحلم في حد ذاته ، على لسان كل واحد منا، نحن الذكور...

 "هيا اقطعيه، تعبت!"، ليست عبارة ينتظر أن يعود كل واحد منا ، ذات يوم إلى أمه ليفرحا معا بتحرر الحنجرة من ثقلها، فهناك :"أخيرا ننجح يا أماه! "، آنئذ قد تموت الأم  ولا يتأخر  الابن  في الالتحاق  بها، لا يبقى هناك  مبرر  للعيش  الحقيقي …تأمل مثلا، بهذا الصدد، حكاية فرويد مع أمه!

نحن لا نتغير ، نتحول، إننا " نتطور" فقط، نحاول  أن ننمو أو نضطر إلى "النمو"،

 أما  " الطفل "، ذو الأربع  سنوات، ذلك المعلم  الأول ، كما يسميه إريك بيرن، ذلك  الذي وضع  التصميم  الأساسي لحياتنا ، فيظل في أحسن  الأحوال متضامنا مع أمه، وفي أسوا الأحوال، أو عاديها، تابعا  لأمه تماما، متمسكا بأهدابها، منتظرا بسمة أو تكشيرة منها، صدا أو حنوا، كصغير فيل  أو "غوريل" ، تكبر الجثة والرأس  ويبقى  القلب صغيرا ، تبقى البصيرة ، القماط، لا يتجدد برغم محاولات  علماء  النفس  وساحرات القبيلة، و الأسوأ أن يؤدي هذا الارتباط ال&#